نشر الأستاذ / أسامة هيكل على صفحات جريدة " المصري اليوم " مقالآ بشأن السياسات الإسكانية التي تنتهجها الحكومة المصرية والتي تحابى الأغنياء والثراة والحيتان من شرائح الطبقة الجديدة - وعلى حساب القاسم الأعظم من الفقراء المحرومين من فرصة الحصول على سكن آدمي مناسب . ما غاب عن هذا المقال هو : ربط تلك التوجهات الإسكانية لنظام الحكم بالتحولات الطبقية العامة التي طالت المجتمع المصري منذ منتصف السبعينات , والتي أدت وبفعل عوامل مجتمعة الى جعل ( رأسمالية المقاولات ) أحدى الركائز الطبقية للسلطة السياسية الحاكمة في مصر . فقد كانت ( رأسمالية المقاولات ) من أكثر أقسام الرأسمالية استعدادا واستجابة لمحاولات السلطة نحو تحفيز نمو مؤسسة الملكية الخاصة ( وبحكم التراكم الذي حققته في نهاية حقبة الستينات ) . فضلا عن اعتماد سياسة الانفتاح ثم الخصخصة على قطاع المقاولات وذلك بهدف تنفيذ الهياكل المادية للاستثمارات الجديدة , ولتوفير بنية أساسية تواكب سرعة التحول الاقتصادي المطلوب . انخفاض حدة المنافسة واستقرار العرض الناتج عن الطلب الواسع على الإعمال العقارية أدى الى تجانس الشرائح العليا لرأسمالية المقاولات , و عن وجود نمط من التماسك والتحالف الشخصي غلب عليه طابع ( جماعات المصالح ) . ولذلك كانت الوفورات المالية الضخمة التي حققها هذا القطاع حافزا نحو نزوح كبير من جانب (الرأسمالية العقارية ) إلي نطاق استثماراتها – الأمر الذي وجدت ( رأسمالية المقاولات ) نفسها معه أمام مفترق طرق يتعين لمواجهته سلوك ثلاثة مسارات : الأول : أن تتحول لمجال الاستثمار العقاري مستفيدة من قدرتها على تخفيض نفقة الانتاج , وأن تنتقل من مجرد شركات مقاولات الى مجموعة مالية كبيرة . والثاني : أن تسعى للاندماج مع رأس المال الاجنبى , وبهدف الاستفادة من مزايا التسهيلات الحكومية لهذه الاستثمار الوافد وما أتاحه توسع سوق المال من امكانيات تسهيل وانتقال الرأسمال ( الخليجي على وجه الخصوص ) للسوق المصري . والثالث : ضرورة السيطرة على جماعات المصالح في مجال الاستثمار العقاري , والعمل على توفير شبكة علاقات مع بعض كبار المسئولين التنفيذيين بالدولة وشرائح بيروقراطيتها العليا . وتبعآ لهذه التحولات الهيكلية اتجهت الحكومة ورأسمالية المقاولات من ورائها للوفاء بمتطلبات الفئات العليا البرجوازية من قصور وفيلات ومنتجعات وقرى ترفيهية , وانصرفت وعن عمد عن تلبية حاجات القطاع العريض من الفقراء والفئات الوسطى من أبناء هذا الشعب في الإسكان الشعبي والمتوسط . ----------------------------------------------------------------------- هذه الفكرة التي طرحها الرئيس السادات بكلمات بسيطة للغاية تجسد المفهوم العميق لكلمة الأمن القومي، وتوضح مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.. ومن هنا تظهر أهمية وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة.. فهي وزارة أمامية في خطوط الدفاع عن الأمن القومي، ومعنية أساساً بحقوق المواطنين الفقراء من معدومي ومحدودي ومتوسطي الدخل.. وليست وزارة جباية وتجارة في الأراضي، معنية بالأثرياء وتخدم أصحاب الملايين، وتهتم بالميسورين.. فالأغنياء ليسوا في حاجة لخدمات وزارة الإسكان، فالمستثمر الذي يريد أن يبنى أرض جولف أو فيلا على مساحة عدة أفدنة، أو يعيش في كومباوند مغلق على أصدقائه من طبقته، يستطيع أن يدفع في سبيل ذلك الملايين بسهولة.. ومن حق وزارة الإسكان أن تكسب من هؤلاء كما تشاء.. ويجب هنا أن توجه وزارة الإسكان هذه الأرباح لخدمة من لايستطيعون دفع ثمنها. هذا هو الهدف الطبيعي والمنطقي من وزارة الإسكان.. وهكذا كانت.. فكيف أصبحت ؟! الحقيقة أن الوزارة في عهد الوزير أحمد المغربي تقول دائماً إنها تهتم بالفقراء، ولكن الواقع أنها أسقطتهم من حساباتها تماماً.. فتمنح الأرض للمستثمر بتراب الفلوس، بينما تطرح الأرض بالقرعة على المواطنين الطبيعيين بأسعار مبالغ فيها جداً.. وهو منطق عكس ما كان الرئيس الراحل أنور السادات يتحدث به للوزير الكفراوي ليصب في مصلحة الأمن القومي المصري، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويضع الدولة في مسؤوليتها الحقيقية تجاه المواطنين.. والمطلوب هنا أن نحسب بدقة مساحة الأراضي التي أقامت عليها وزارة الإسكان مشروعات للفقراء، ونجحت في عهد المغربي، ومساحة الأراضي التي تم منحها للشركات الاستثمارية العربية والمصرية والمخصصة للمليونيرات فقط. الحقيقة، لا ألوم الوزير أحمد المغربي على سياساته فئ وزارة الإسكان، والتي تنال إعجاب قياداته، باعتباره تمكن من جمع حصيلة قدرها ١٧ مليار جنيه من بيع الأراضي، وتحت زعم أنها تتوجه للبنية الأساسية.. ولكن اللوم كل اللوم على من اختاره ومن شجعه على هذه السياسات.. فالمغربي مستثمر سياحي طول عمره، ولم يعمل بالهندسة، ولا علاقة له بالتخطيط العمراني.. وقد اعتاد أن يقدم الخدمة للسائحين فقط.. وهى خدمة سياحية تقدم بأغلى الأسعار.. وقد تخصصت شركته في تقديم الخدمات بالفنادق ذات النجوم الخمسة.. أي أنه كان يتعامل مع أغنى السياح على الإطلاق، وهم الذين يدفعون مقابلا ماديا ضخما للحصول على الخدمة الأفضل.. فالسائح يدفع ليستمتع بعض الوقت..ولا يمكن أن يتم تكليف شخص كون ثروته من هذا النوع من الاستثمار، بتولي وزارة مهمتها رعاية الفقراء من المواطنين.. وإنشاء مساكن لهم بسعر بسيط ليسكنوا فيها طوال الوقت.. واختياره لتولى هذه المهمة يعكس اتجاهاً عاماً لدى الدولة بأنها صرفت النظر عن الفقراء، وأنها لا تلتفت ولا تهتم إلا بالقادرين.. وأسلوب المغربي الذي اعتاده في إدارة شركاته، كان يتفق مع الأسلوب الذي تدار به وزارة السياحة، وقد أبلى بلاء حسناً بها، لأنها مهنته التي يفهم فيها.. ولكنه أسلوب لا يتسق أبداً مع الأسلوب المطلوب لإدارة وزارة الإسكان التي أنشئت من أجل الفقراء، وحل أزمة السكن. والسياحة تجارة رابحة، وكلما حافظت على سعر الخدمة مرتفعاً، حققت أرباحاً أكثر، ولو انخفضت أسعارك يمكن أن تتأثر سمعتك في السوق، وهذا يبرر سياسة المغربي التي تعتمد على إشعال سوق الإسكان، وإبقائه في حالة ارتفاع غير منطقي، فلا يؤسس مدناً أو تجمعات سكنية جديدة لاستيعاب الزيادة السكانية الرهيبة، ويطرح كل سنتين عدة قطع متبقية أو مسحوبة بعشرة أضعاف سعرها الطبيعي بحجة محاربة التسقيع والسمسرة، فيسابق هو السوق ويجذب أسعارها لأعلى في هذه المدن الجديدة وفى البلد كله، ولا يستفيد من سياساته حقيقة إلا السماسرة والأثرياء.. وهو يعتبر تلك السياسة نجاحاً مبهراً. استمرار المغربي في وزارة الإسكان ظلم للمواطنين الذين تنتمي غالبيتهم للطبقات الفقيرة.. وهو ظلم له نفسه، لأنه يعتقد تماماً أنه نجح في سياساته، وأنه حقق الشفافية في توزيع الشقق والأراضي.. وهو ظلم للمجتمع بأسره الذي سيظل يدفع ثمن هذه السياسات سنوات طويلة، وسيؤدى لكارثة في أزمة السكن. اللوم كل اللوم على من اختاره لهذا المنصب وتركه فيه ٤ سنوات، ويبارك سياساته، ولا يلتفت للنتائج، ولا يحاسبه عليها.. وبقاء المغربي وغيره ممن ينتهجون نفس الفكر، يبرهن على أن الحكومة المصرية وجدت أن أقصر طريق لمحاربة الفقر هو القضاء على الفقراء أنفسهم .
.
.
الاثنين, 03 اغسطس, 2009
المقال يمس قضية هامة , ويعبر بوضوح عن الإنحياز لسواد هذا الشعب من المهمشين والكادحين والفئات الوسطى, ولذا فقد آثرنا نشره بمدونة ورشة الأحد .
وأيا ما كان الأمر – فأن المشكلة الإسكانية تعد واحدة قضايا الفقراء المنسية والتي يتعين على قوى مناصرة الفقراء من اليساريين والتقدميين تكثيف الضوء عليها وكمظهرهام من مظاهر التفاوت الطبقي في بلادنا .
واحتج الكفراوي وقتها، وقال للرئيس السادات إن التكلفة المبدئية ستكون في حدود ١٤ جنيهاً للمتر،
فرد عليه الرئيس السادات قائلاً بالحرف الواحد: يا كفراوى.. لن يشعر المواطن بالانتماء إذا لم تكن لديه أرض يسكن فيها، وأرض يعمل بها، وأرض يدفن بها.. يا كفراوى.. لا أستطيع أن أجعل المواطن الذي ليس له أرض يذهب ويحارب في سيناء من أجل المواطن صاحب الأرض.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.













من مصر
الأخ الكريم الأستاذ عماد
ميدان الحرب على المصريين أتسع ليشمل كل الجبهات ، بدءا من الطعام الملوث ، و التعليم و العمل ، و السيد المغربى هو مثال للوزير الأمثل في المكان المناسب ، هل كنت تريد وزير مثل الكفراوي المحترم الذى قال في حواره في دريم أن وزارة الإسكان هي وزارة خدمات و ليست وزارة جباية ، المغربي هو رجل المرحلة و أحد رموزها .
لم تتناول المقالة مافيا سرقة الأراضى التى نتجت عن توحش الإستثمار العقارى ، و اظن أنها تحتاج لتحقيقات صحفية و ليس لمقال واحد.
شكرا لك.