على مدار الأيام الماضية أنشغلت الدوائر الثقافية والإعلامية في مصر بأحياء الذكرى السنوية الأولى لغياب الدكتور / عبد الوهاب المسيرى . أعادة النظر في مفردات المشروع الفكري للدكتور/ عبد الوهاب المسيرى , ونقد منطلقاته الفلسفية , ومراجعة الأيديولوجيا التي تخترقه , غابت – كالعادة – عن مرثيات الإحتفاء بالذكرى الأولى لرحيله ! . كان الراحل أحد أهم الداعين والمدافعين عن " المذهب الإنساني " بمرتكزات البرجوازية , وفى سياق خطاب يؤكد على حتمية البديل الديني والشريعة الإسلامية كمرجعية نهائية له . هذا المنطلق الإنساني كان يعتمد ثلاثة روافد أساسية تقدمت ضمن المشروع الفكري للدكتور / عبد الوهاب المسيرى , وتتلخص في التالي : - 1- رفض مركزية الغرب الحضارية ونظرته المادية . 2- التأكيد على وجود حضارة إنسانية واحدة ومشترك إنساني أعلى . 3- التسليم باكتمال نموذج الإسلام الحضاري واعتماده كمرجعية النهائية. ثمة حاجة لنقد وتفنيد هذا المنحى الإنساني , ومن منطلق أن الغرب لايزال متصدرآ وبامتياز لمسيرة الحضارة الإنسانية , وعلى مدى خمسة قرون كاملة . وخلال هذا العصر الحديث واجه الغرب أزماته المصيرية في ظل أيمان مطلق ب ( العقل والعلم ) , وحتى أضحى كلاهما قيمة أساسية وسمة دالة . وداخل هذا السياق كان ( الإنسان الأوروبي ) على وعى وإدراك تام بحقيقة وأبعاد الأزمة - ولم ينكر ذلك أو يتدثر خلف أوهام وادعاءات كاذبة كما يفعل البعض . كما أن مفكرى الغرب وفلاسفته كانوا قادرين على رصد عناصر أزمتهم وتحليلها وبيان أوجه العطب ومنشأ أوجاع الحياة , ودون مصادرة على رأى أو اتهام بالزندقة والخروج على الدين والموروث . هذا الغرب - الذي يواجه بجرأة وحرية مشكلاته الحضارية - هو الذي صنع ملحمة وقصة العقل الحديث , وهو عقل مازال يواصل فتوحاته على الطبيعة والبيئة , ويسجل أنتصاراته ضد الجهل والخرافة , ودون أن يلتمس في ذلك مبررات وتفسيرات بعيدة عن الواقع . وفي هذه المرحلة الفارقة من تاريخ أمة العرب المسلمين - التي تعانى أزمة تحول حضاري- فأن منحى الإدانة الشاملة للغرب وثقافته وعقلانيته القائم والمسيطر في فكر الدكتور / عبد الوهاب المسيري, لا سبيل الإ رفضه ودحضه . فهو ينظر إلي الغرب باعتباره شرآٌّ مطلقآ ، وأنه قد أنتج ظواهر وممارسات الإمبريالية والصهيونية , وأن الإنسان داخل حضارته فقد الحيلة والوسيلة وأصبح عبدآ للآلة والتكنولوجيا . وهذا توصيف صحيح لبعض جوانب الأزمة التي يحياها العقل الغربى , ولكنه تشخيص مرصود من جانب الماركسية - منذ عقود طويلة - و التى لخصت جوهر الأزمة في النظام الاجتماعي والطبقي السائد في ظل التشكيلة الرأسمالية . نعم , لقد تبددت القيم والأحلام وأحبطت الآمال , وسحق الإنسان الغربي وتبدل شعوره بالأمن والثقة والحرية , ولكنه لم يفتقر أبدآ إلى رؤيته العلمية الصحيحة ولم يتعالى عن معطيات الواقع المأزوم , ويلتمس السلوى والعزاء من السماء . كما أن نموذج الحضارة الإسلامية التي يتبناه الدكتور / المسيرى , لم يبرهن تاريخيآ على الإهتمام برفاهية الإنسان وتطوره الشامل , ولم يخلق – فى ظل تقنين التفاوت باسم الإسلام وكلمة الدين – الظروف الملائمة للعدالة والمساواة الاجتماعية . في المنطلق الإنساني للدكتور / المسيرى تغييب السبل والوسائل الفعالة لتحقيق مجتمع العدالة والكفاية , وتصبح مؤسسة الملكية الخاصة , والنزعة الفردية في التحليل النهائي مثلآ وأهداف عليا لا يجوز تجريحها والمساس بها . وذاك هو التناقض الأساسي في المشروع الإنساني للدكتور المسيرى , إذ حينما أدرك الطبيعة اللاإنسانية للرأسمالية وغرائزها المادية , عجز عن تفنيد قوانينها الموضوعية , وعن تعرية واقع عدم المساواة بين البشر , وعن الانحياز للتعبير الأعلى عن العدالة , وهو مبدأ " من كل حسب قدرته , ولكل حسب حاجاته " .
أضف تعليقا
من مصر

( تعقيب – 1 )
أهلآ رندا ..
على مدار الأيام القليلة الماضية اهتمت الفعاليات الإشتراكية في مصر وبوادي النيل بذكرى اغتيال الرفيق المناضل السوداني " عبد الخالق محجوب " ..
لقد كنت أرغب في التعريف بهذا الرفيق الراحل وعبر مرثية تدوينية خاصة – وكنت عازم على إهدائك إياها – غير أن ضغط أعمالى ومشغولياتى القانونية خلال الأيام القليلة الماضية حال – ومن أسف – دون تحقيق تلك الأمنية !! ..
راندا ! ...
رغم وجود هذه الزهرات الأورنجية , فأنا أستشعر القلق من فكرة معاندة الحياة ! ..
ثمة واقعة حاولت أن أؤشر اليها بصدر مقالي – وهى تخلص في التساؤل التالي :
كيف أن تطور الفكر والفلسفة الغربية قد أتسم بسمة فريدة مفادها أنه سار في طريقه مرتبطآ دومآ (( بالعلم )) , وكان هذا الإرتباط هو الذي أضفى على الحضارة الغربية ذلك الطابع الذي يميزها عن " تأملات العقل الشرقي " الذي سارت فيه الفلسفة والعلم عبر مدارات متباعدة ..
فما يشغلنى الآن هو موقع (( العقل )) في حياتنا ومدى أيمان الإنسان العربي بسطوة وسلطان (( العلم )) الأخير ؟..
ولذلك عدت إلي مطالعة بعض أهم الكلاسيكيات في هذا المضمار ومنها على سبيل المثال
wisdom of the west ..by : bertrand russell
The shape of mind to come ..by :john taylor
وفى الواقع يبدو أن فكرتي مازالت مبتسرة حول الحياة العقلية لهذا " الشرق الفنان " .. الأمر الذي يستوجب منى مزيدآ من المطالعة والاستيعاب – أعدك به مستقبلآ ..
" الموت بواسطة المعرفة المطلقة يشكل جزءآ من أساس الوجود " أنها مقولة للفيلسوف نيتشه واردة بكتابه " بمعزل عن الخير والشر " ..
لاشيء مكتمل بالحياة , فالنقص بالفعل أحد سماتها .. ولذلك سنظل نلهث إلي
مالا نهاية نحو معرقة مطلقة لن نصل أليها أبدآ !! ..
دمت رقيقة وروحانية – وفيلسوفة شديدة المراس في ذات الوقت !! ..
الرفيق / عماد ..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من سويسرا
أهلاً عماد
لاشيء مكتمل بالحياة لا الغرب مكتمل بعقلانيته ولا الشرق مكتمل بتدينه دوماً تجد عله بمكان ماوعبدالوهاب المسيرى جزء من هذا العالم الصعب على الأستيعاب فما بالك بالتطبيق العملى لأفكاره..
أجمل شيء بالحياة سوى حكمك الدين أو العلم أن تكون خلوقاً مع الآخر .. وإنساناً حين يجب .. وعقلاً حكيماً.. وضميراً حياً لايموت
هنا يمكن أن تتوازن الحياة .. لكن بالحياة دوماً نواقص وكلما أردنا اكمالها اختل توازنها.. لكننا رغماً عن ذلك نفكر ونحاول .. كما تفكر أنت الآن وكما فكر عبدالوهاب المسيرى وغيركم.. وكما ستأتى بعدكم أجيال ترى النقص بمكان ما وتحاول أكماله ..
العلمانية بلا قوانين تحكمها كارثة
والدين بلا رحمة وعقل جريمة
كم جميل أن تعيش بعالم تحب الله فيه دون أن تكره أحداً ولا احداً يكرهك يتساوى به كل البشر بأحقية الوجود والحياة والتمتع بخيرها
عالم مثالى لن تجده عماد والنقص احد سماته
دام فكرك محفزاً للعقل ليفكر بشكل آخر
ودمت بخير اخى العزيز عماد
سلامى وتحية