هذه التدوينة مهدأة بشكل خاص إلى الرفيقة " ريمان " صاحبة مدونة " ملائكية " .. ---------------------------------------------------------- في حفل ختام فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان القومي للمسرح المصري ألقى الفنان / عادل أمام كلمة تساءل فيها عن أسباب كراهية وملاحقة الأزهر ورجال الدين للمسرح وسند الحرب التي يشنها أنصار الإسلام السلفي ضد هذا الفن , وأستشهد بمعاناة الراحل " كرم مطاوع "عند تقديم عروضه على مسارح القاهرة . فى الواقع فأن هذا الموقف السلفي يعد أمتدادآ لواقعة التجاهل التاريخي للفن والتعبير المسرحي من جانب الحضارة العربية – الإسلامية , وهو فصل من قصة طلاق طويل حدثت بين الإسلام التقليدي والمسرح , ولمعطيات تستوجب وقفه للتأمل والانتباه . فالثابت أن هناك لحظة تاريخية تستشعر فيها الجماعة حقيقة الوجود والمعنى الأصيل للقدر والصراع , وتدرك أن تجربتها الذاتية في هذا السياق بحاجة إلي ترجمة وبيان . ومن هنا يأتى دور الفن المسرحي وكابتكار لهذا العزاء الإنساني , ولتأسيس وضعيات محددة يتصاعد فيها التعبير عن الصراع بين الأشواق العارمة على الحرية والخلود , والعقبات التي تقف في طريقها . كما تتقدم ضرورة " البطل التراجيدي " الذي يروم تفكيك التناقضات الداخلية التي تنال من اكتمال وجوده وحريته , وحيث يجد نفسه ندآ للآلهة ومعارضآ لحتميات القدر . واقعة أن البطل يؤكد على وجوده من خلال ممارسة الحرية تؤكد المعنى الأصيل لجوهر فكرة المسرح , تلك التي عبر عنها " شيللر" قائلآ : إن المسرح الإغريقي علم الحضارة ماهية الفردية ومن خلال رؤي فنية .. وعلى النقيض من ذلك , فأن - المفاهيم الأساسية الناظمة لرؤية الدين والحضارةالإسلامية لمفهوم الإنسان وحريته تختلف جذريآ عن هذا التصورالفنى والفلسفي الإغريقي .. فتجاه القدرة المطلقة لله فان إرادة المسلم وحريته وإيقاعه الشخصي تكون مشروطة دومآ بإرادة الخالق , وتتقلص مساحة فعله وتصرفه لأقصى درجاتها , ويصبح الجميع أشبه بدمى في مسرح عرائس كوني .. وهكذا , فكل ما يحدث مكتوب ومقدر ولسبب عادل لا يؤدى في النهاية الإ إلي الخير , والتواصل مع الذات الإلهية الكبرى هو الذي يمنع حركة التمرد الفردي ويحول دون ميلاد التاريخ الدرامي وصراع القدر والإنسان . غياب نشيد المأساة الفردية و الإنسان الجدلي / أو برومثيوس الذي يكابد محنة وجوده وألم السيطرة على مصيره , يعود إلي أنتساب الشخصية الإسلامية لتلك الحاضرة الكونية , وحيث تكون سعيدة بتوافقها وانسجامها مع إرادة الرب الشاملة وقدرته الأزلية وتخطيطه السري .. وفضلآ عن تعثر ميلاد " المسلم الدرامي " اللامنتمى لصراع العواطف النفسي الذي يعتبر المادة الخام للتراجيديا الإنسانية , فأن إعلاء الفهم الإسلامي لفكرة " الجماعية " وكأصل لحفظ الدين تساهم بدورها في مصادرة هذا الميلاد . ذلك أن رؤية الإسلام التاريخية لتطور العقيدة تتمسك بفرضية أن انحلال الإيمان وابتعاد المسلمين عن صراط الدين المستقيم هو عملية مستمرة منذ وفاة الرسول وحتى الآن . وأن هناك ( صيرورة ) تدفع دائمآ نحو تكريس ردة الجماعة إلى الجاهلية , وبما يستوجب الإستنفار لمواجهة البدع والمستحدثات , وإعطاب التراجع الإيماني للمسلمين , ومسيرة التدهورالتاريخى للأمة .. ولذلك تكون هناك " مهمة " محجوزة " لطائفة من المؤمنين " - وليست فردآ - تلتزم صحيح الدين , وتنطلق بمعزل عن تناقضات وصراعات الواقع من أجل تطهير المجتمع من مفاسد الكفر والتمكين لتكليف الشريعة .. ومن هنا يجرى التكريس المستمر للوعي المطلق بضرورة الإنتماء للجماعة , ومع التأكيد أن الذئب ينال من الشاه القاصية - ومن ثم تتلاشى الصراعات النفسية للفرد المسلم تتدريجيآ , وتتجه نحو الذوبان في بوتقة التصرفات الجماعية . وداخل هذا السياق الضاغط – الذي يمتدح أقامة صحيح الدين وفروضه عبر السلوك الجمعى – يجرى الضغط على عصب الفردية ويتم أستنزافه وتبديد " ركن الاستحواذ " الذي يشكل الشروط المفترض للإعتراف بنشأة أي فن درامي . فالتاريخ اللادرامى للشخصية المسلمة هو الذي ينسج إذآ سعادتها الكبرى وتوافقها الكوني , ولكنه يحول – في النهاية - دون أفكار تنظيم عروض مسرحية تتحدث بلسان حال الواقع وصراعاته وتناقضاته !! .. كما أن هناك " سبب لغوى " يتعين إثباته في هذا الإطار , ويتصل بالهاجس السلفي من التمكين لسلطان اللغة العامية وازدهارها – وهى التي يستريح لها المسرح وتمثل أصدق تعبير عن التجربة المعاشة - في مواجهة لغة القرآن وتقاليد العرب اللغوية . ناهيك عن أن المتطلبات الداخلية للغة المسرحية تنتمي إلي التعبير الإيجابي والمباشر عن الكائن بصفته تجربة حية , ومن هنا تكون بعيدة عن ميادين العربية التي حملت معاني لغوية لم تتغيير موضوعاتها الواحدة لحقب طويلة من الزمن , وتقدس جماليات المجاز والتورية والكناية . تلك هي الأسباب التي أعتقد أن التفكير الديني / السلفي يرتبط بها - في العمق - عند تجاهله وأعراضه ورفضه لمفهوم فن المسرح الحديث , والتي تقف وراء " التجليات الواقعية " التي رصد الفنان / عادل أمام جانبآ منها في كلمته بختام مهرجان المسرح القومي ! .. وأيا ما كان الأمر - فأن هناك حاجة لتأسيس رؤية إسلامية مغايرة حول الفن المسرحي , رؤية تنتمي لروح العصر وإجاباته وحدوده , وتمنح شرعية لميلاد " شخصية درامية أسلامية " جديدة ! ..
.
.
الاحد, 19 يوليو, 2009
فهذه المفاهيم تؤكد إنحسار حرية هذا الفرد وتراجعها عند مواجهة الإرادة العليا اللامتناهية لله , كما تسحق النزعة الفردية عبر تزكية ودعم " الممارسة الجماعية " للفروض الدينية والاجتماعية ..
ولذلك يصبح الاعتراض الفردي – في جماعة المسلمين - والذي يشكل سند النقاش المدني الحر والمفتوح مرفوضآ ومطاردآ , وتصبح تجربة البطل الدرامي التي تفجر مفردات القدر والمصيرالإنسانى واقعة ردة وغلطة كفر ..
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.












