ثمة تساؤل - فرض نفسه على كاتب هذه السطور – بمناسبة تداعيات ما بات يسمى بموقعة " شهيدة الحجاب " : - إذ , لماذا لا نحاسب أنفسنا - بداية - ( كمصريين مسلمين ) عن وقائع ( قتل وترويع وتخويف ) الأجانب على أرضنا , وقبل أن نحتشد من أجل الإحتجاج والتظاهر ضد مقتل مواطنة مصرية على يد متطرف ألماني أثناء منازعة قضائية فيما بينهما ؟! .. في صحن الجامع الأزهر , وفى شوارع القاهرة والإسكندرية , وفى بعض المعاهد والكليات , وأمام السفارات , وحتى في العالم الافتراضي .. تصدح وترتفع العقائر والأقلام بالهتافات والشعارات المعادية لألمانيا - "وأذا مروة سئلت بأى ذنب قتلت " " بالروح والدم نفيدك يا شهيدة الحجاب " " يا ألماني يا خسيس دم مروة مش رخيص " " يا سفير الألمان فين حرية الأديان " , وغيرها .. هذا الحريق ( الذي جعلناه كبيرآ ) دليل آخر على مساحات الفراغ السياسي والروحي التي تحياها شعوب المنطقة , وبرهان عن سيادة مظاهر التدين الشكلانى , وعن ازدواجية السلوك المسلم وتناقضاته عند أكثر من محطة فارقة . تضخيم الحدث - على نحو ما نرى - ومحاولات نفى صفة المأساة الفردية والطابع الجنائي المجرد عنه يخدم – ولا شك - المصالح الخاصة لأطراف عديدة داخل المشهد .. فهو يخدم نظام الحكم الفاسد الذي يحاول تحسين صورته السوداء في سجل الدفاع عن حقوق المصريين المغتربين , وبعد أن مرد على تجاهل العديد من التجاوزات والانتهاكات التي يتعرض لها مواطنيها بالخارج , لاسيما في أمارات الخليج والسعودية .. كما أن الحادث فرصة مواتية لإشعال الغضب , وتأجيج المشاعر وإلهاء المصريين بعيدآ عن مشاكلهم الداخلية العاجلة والملحة .. فبدلآ من أن ينتفض الجمهور ضد وقائع القهر السياسي والاجتماعي , وضد شيخوخة نظام مبارك , وضد سيناريو توريث الحكم الذي دخل مراحله الأخيرة .. ينهض الآن عبر المظاهرات والتجمعات وجروبات الفيس بوك للدفاع عن ( مروة الشربينى ) , والذود عن حياض الإسلام , ومواجهة غطرسة وعنصرية الغرب ! .. أنها هندسة تغييب الوعي عبر تصريف مخزون السخط الإجتماعى والطبقى في مسارب فرعية وهامشية , وبحيث يصبح الحادث متنفسآ بديلآ لإحباطات الناس - فيتواري الحديث و البحث عن الأسباب الموضوعية للأزمات الإقتصادية والإجتماعية من أجل حضور الهوية الدينية وواجب نصرة الدين وفرض نجدة الإسلام ! .. بل أن الحدث أصبح ساحة للمزايدة السياسية الرخيصة , فإيران عقدت " جنازة رمزية للقتيلة " , وقامت باستدعاء السفير الألماني والإحتجاج " رسميآ وشعبيآ " على الحادث - وعلى الرغم من أنها ليست طرفآ في القضية ! .. من الطبيعي أن يثير هذا " المولد - الشعبوي والرسمى" الراصدون من الخارج , والذين أبدوا استغرابهم من ذهنية تذهب لتكثيف كل هذه المعاني الدينية على خلفية الواقعة - ومن عقلية التعامل والتعاطى مع الحدث , ومن منطق الإدانة الشامل لمفردات ما هو ألماني !! .. لم يشفع للألمان أنهم من أبلغوا الشرطة عن الواقعة , وأنهم حاكموا الجاني وغرموه جراء سب وقذف مروة الشربينى , وأنهم قدموا التعازي بداية من المستشارة ميركيل ونهاية بالسفارة التي حررت عزاءآ غير مسبوق لأسرة القتيلة والشعب المصري على صفحات جريدة الأهرام القاهرية .. كما لم يشفع لألمانيا أياديها البيضاء على عشرات الآلاف من المصريين , الذين ذهبوا أليها منذ عقود طويلة لطلب الرزق والعلم , عادوا منها بدين الولاء لقيمة المعرفة والإنضباط العقلي والخلقي , وأصبحوا مشاعل تقدم في كافة المجالات الوطنية المصرية .. ألم يتعرض عشرات السياح الألمان للقتل العمدي على يد جماعات التطرف الإسلامي في الأقصر وميدان التحرير وشرم الشيخ ؟ .. لماذا لم يسب الألمان المصريين في ذلك الحين , ولماذا لم يعلنوا عن رغبتهم في القصاص من أهل مصر ومسلميها جراء هذه الجرائم - وكما يفعل البعض الآن ؟ . ثم ماذا لو كانت مروة ألمانية تعيش في مصر وسبها أحد المارة - هل كان أحد منا سيطلب الشرطة , وهل كنا سنحاكم الجاني محاكمة عادلة ونزيهة ؟ .. في شوارعنا جهارا نهارآ يتعرض الألمان وغيرهم من السائحين لمضايقات لا حصرلها , بل أن المرأة المصرية ذاتها تتعرض لتحرشات بالقول والفعل - ومع ذلك لم نسمع أن واحدآ من أصحاب الأخلاق الحميدة هرع للإبلاغ ومنع الإساءة إلي ضيوف مصر من الأجانب .. حلال لنا حرام عليهم – هذه هي القاعدة !! .. فعندما يأتى الألمان إلي مصر يلتزمون بالقواعد الدينية والأخلاقية العامة لنظام الجماعة , أما نحن وفى بيئة الحرية والديمقراطية وأحترام حقوق الإنسان التي توفرها المجتمعات الغربية , فأننا نسعى إلي الاحتفاظ بخصوصياتنا , ورفض أفكار الاندماج ضمن هذه المجتمعات , والخضوع للحد الأدنى من تقاليدها وأعرافها ! .. باختصار وبمعزل عن فقه النفاق القائم والمسيطر فأن : جريمة مقتل مروة الشربينى في ألمانيا يجب أن تناقش ضمن سياقها / الجنائي والاجتماعي والحقوقي الأصيل , وليست ضمن منطق الإثارة والصخب الديني والإعلامى والشعبى ..
أضف تعليقا
من سويسرا

أهلاً عماد
نحتاج للدعم من وقت لآخر من الآخرين
نحتاج لشحن بطارية العطاء حتى يستمر
سعيدة لعودة قلمك..
.
.
قصة مروة أثارت بى ألم كبير فأن كنت تعلم أنى مررت بنفس التجربة منذ عام ونصف بفقدان أبن اختى بنفس الطريقة وربما أصعب
رغم أن من اعتدوا عليه جميعاً كانوا اوربيين إلا انى أبداً لم أحمل أحداً الذنب واعتبرناه جميعاً أمر فردى ..
ولم اشعر طوال اقامتى بالمهجر بالعنصرية سوى مرات قليلة جداً ولم أهتم لها كثيراً لأنى ادرك أن التعميم دوماً يغلق عيناك أن تنظر للجيد من الأشياء..
موضوعك يتشابه بموضوع عن قصة واقعية انزلتها الآن بمدونتى ربما تبين ماهية الغرب ونظرته للآخر..
بالغرب تجد الأسوياء واصحاب السوء وبأى بلد تجد المتنعنصرين والمتطرفين ..
احداث 11سبتمبر عكست صورة سيئة عنا كمسلمين اذكر بذلك اليوم كان لى زميل بالدراسة امريكى رفض الأختلاط بنا وتغيرت نظرته لنا فى حين انه قبل الأحداث كان جداً طيب بتعاملة..
ولم نأخذ موقف منه وزملائى العرب وقدرنا تلك المشاعر..
وبالجانب الآخر ماحدث بالعراق وغزة غير ايضاً وجهة نظر العرب ناحية الآخر فالعرب ايضاً ظلموا عماد على ايدى الغرب لذا الموضوع متشابك
نحتاج لنظرة واعية للأمور حتى لاتزداد سوءاً
اعجبنى وعى والد مروة الشربينى بلقاء له على العربية ووجدت فيه انساناً ناضجاً وحكيماً..
وانا اتفق معه تماماً
هذا رابط الحوار كاملاً
http://www.alarabiya.net/programs/2009/07/13/78574.html
من سويسرا

وهذا هو المقطع الذى اثار اهتمامى بالحوار
.
.
رندا أبو العزم: كيف يمكن أن يستغل هذا الحدث بصورة..
د. علي الشربيني: هذا الحادث المفروض يستغل أن الجماعة الأوروبيين يفهموا أنه ده دين، ده دين، مش تطرف، ده دين، ده دين إسلامي سمح، ما هم ساعات بيمشوا عريانين في الشارع، ما تسيبي اللي يلبس يلبسه، وهو علمت لما واحد لابس حجاب أو ماسك مصحف حيبقى كافر؟ وإرهابي؟ ونموّته؟ طبب ما همّ ساعات بيلبسوا حاجات غريبة، ما حدش في المسلمين اعترض عليهم وقال لهم: إيه اللي أنتوا بتلبسوا إيه؟ إيه اللي انتوا لابسينه ده؟ ده دين، دين ربنا علمنا به.
رندا أبو العزم: يعني حضرتك ترى أنه لا بد من المزيد من الحوار؟
د. علي الشربيني: أرى أن الحكومة والدول العربية كلها وجامعة الدول العربية تستغل هذا الموقف لحماية المحجبات الموجودين في أوروبا وأميركا، دول أولادنا برضو وأخواتنا وحبايبنا، وإن مروة تكون زاوية في هذا الموضوع، ويبقى موتها له ثمن، عملت حاجة للناس، ربنا يرضى عليها، عملت حاجة بالحجاب ده، حاجة دينية بحتة، هم بحاربوه ليه؟ هم عاملين لهم إيه؟ يعني عامل لهم إيه؟ يعني الحجاب عامل لهم إيه؟
رندا أبو العزم: يعني حتى مروة عندما آذاها هذا المتطرف، ذهبت إلى المحكمة ما أخذتش حقها في إيدها؟
د. علي الشربيني: ما ضربتوش، ما تضربش مروة، ما تضربش..
رندا أبو العزم: شايف أنه لا بد من الحوار ومزيد من الحوار؟
د. علي الشربيني: لازم لازم لازم لازم، الحكومات العربية كلها تستغل هذا الموقف لحماية الناس الموجودة هناك، وده بالتالي مطلب عادل ومش وحش، والمفروض يعني موقف الكنيسة أعجبني، الكنيسة مش معترضة على الحجاب، الكنيسة المصرية، أنا مش عارف ازاي جامعة الدول العربية تستغل موقف زي ده يعني؟ تستغل حادث، تحطّ صور وتقول حرام دي مؤمنة مسلمة بربنا.
رندا أبو العزم: كان هناك تعليق من أمين عام الجامعة العربية أيضاً على حادث مروة..
د. علي الشربيني: أنا ما سمعتوش الحقيقة..
رندا أبو العزم: لأ كان بيعلق أن ده طبعاً نتيجة أنه الكراهية والعنف، والعنف المضاد..
د. علي الشربيني: ليه؟ طيب ليه الكراهية والعنف اللي عاملين إيه؟ عملنا لهم إيه الألمان؟
رندا أبو العزم: يعني مروة سلكت السلوك السليم..
د. علي الشربيني: السلوك السوي خلاص، مافيش مشكلة
من سويسرا

الله يرحم مروة ويعوض اسرتها
ويصبرهم
ربما تكون مروة هى الشرارة الأولى لتتغير النظرة الموصومة بالأرهاب ناحية العرب والمسلمين..
اتمنى ان ينال القاتل عقوبة رادعة يستحقها
لأن أوربا معروفة بأحكامها البسيطة التى لاتردع الأجرام.. وتأخذ دائماً بالأسباب النفسية والأسرية للقاتل..
العقاب العادل هو الشيء الوحيد الذى سيشفى اوجاع هذه الأسرة المكلومة
تحياتى عماد
وعزائى لأسرة مروة وابنها وزوجها
من مصر

أنت أكتشاف حقيقى لى وبمصادفة جميلة وقفت أتأمل عمق المسطور فى مدونتك ! .. أبهرتنى قوة اللغة وأتساق المنطق - أستاذ عماد ! .. موضوع مكتوب بحبر القلب وسباحة ضد التيار السائد ! ..
لك منى صداقة وحضور مستمر ..
د. وفاء المندوه - أستاذ الأدب الإنجليزى - جامعة جنوب الوادى
من الأردن

بعد اذنك استاذ عماد نشرت مقالك هذا على الفس بوك
بالمناسبة دعني اللقي التحية على الاخت الفاضلة رندا ..وحشتوني جميعا
http://www.facebook.com/abualhassan?ref=profile
من مصر

الأخ والرفيق الغالى / أبو الحسن ..
تحيات خالصة ..
أنا سعيد بنشر هذه التدوينة على موقعكم الخاص بالفيس بوك ..
وبالمناسبة فقد فوجئت بقيام جريدة الدستور القاهرية بنشرها أيضآ ضمن عدد خاص حول واقعة " مروة الشربينى " .. وحيث تبنت الجريدة وجهة النظر التى رددتها ..
يبدو أن هناك أصوات مازالت تعرف لغة العقل ، ولا تهتم بواقعة أن تكون ضد الحشد ،وضدتيار الغيبوبة السائد والمسيطر ..
" الجميلة راندا " مازالت تغلق باب التعليقات فى مدونتها ، وتوصد أبواب مدينتها لم يحاول الدخول والإقتحام ! ..
لك منى خالص الودة والإحترام أبو الحسن ..
عماد ..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من مصر
هكذا نحن دائما نضخم كل شئ يمس الدين وبالطبع يستغلها جماعات الدين السياسى ايما استغلال فموت مروه الشربينى من الممكن ان يحدث بنفس السيناريو ببلادنا
اننى اوافقك الراى ومعك وكانما خطفت الكلام من على لسانى