طبيعة التكوين الاجتماعي والطبقي لقيادة الحركة ، وسيطرة الفئات الوسطي ذات الأيديولوجيا القومية والوسطية علي الثقل الرئيسي لجسم الثورة ، هي ما دفعت نحو ذلك ، وحيث حالت دون ارتقاء النضال الفلسطيني إلي طور الحرب الشعبية الشاملة والعصيان الجماهيري المنظم.
مباشرة هذا الكفاح الثوري الفاعل والمكثف علي جبهة النضال الفلسطيني، كان من شأنه خلق نمط مغاير من الممارسة السياسية والاجتماعية في الواقع العربي، وبما يؤثر بقوة علي الأنظمة الرجعية الحاكمة وعلاقات الإنتاج الكولونيالية المسيطرة .
هذا اللواء القومي، رفض استنساخ أفكار حرب التحرير كأسلوب أصيل لاسترداد كامل التراب الفلسطيني، وأسقط من جدول أعمال المقاومة، حتمية تفعيل النضال الجماهيري كسند داعم لها ، الأمر الذي أدي إلي عطب بنيوي في الأداء القتالي الفلسطيني واستراتيجية كفاحه المسلح .
وعندما تقدم ( الإسلام السياسي ) ليحتل مع الرافد القومي صدارة المشهد الفلسطيني ، تراكمت التناقضات النظرية والواقعية الحاكمة لإدارة الصراع، وتبدي ذلك بمواقف عديدة وغير محسوبة في نزال المعركة .
وفي إطار العمل الميداني، فإنها لم تؤسس لقواعد ومرتكزات قتالية تمتد في نطاق الداخل الفلسطيني ، ولم تقدم قرائن علي تطوير المبادرات الفردية الاستشهادية إلي صيغة جماعية تمهد لاتجاه انتفاضة شعبية كبري، وتستهدف تغيير الأمر القائم علي واقع الاحتلال العسكري الإسرائيلي ، أو حتي وقف تعميق عمليات الاستيطان في الضفة والقدس الشرقية. فضلا عن أن إرادة تلك المقاومة لا تنضبط حسب مقتضيات الأهداف العليا الفلسطينية وإنما عبر توازنات وتحالفات إقليمية ودولية ترتبط في الأساس بصعود وانكسار حركة الإسلام السياسي، الأمر الذي يرسم حدود أفق خيارها القتالي .
اليسار الماركسي لن يصفق لحماس أو لأية مقاومة لمجرد أنها تمسك بالسلاح، ودون أن تطرح خطابا سياسيا وعسكريا متسقا لإنقاذ الشعب، واسترداد حقوقه المغتصبة، فالقتال ليس هدفا ثوريا في حد ذاته وإنما هو جزء من الثورة، كما أنه ليس بديلا عن فعل الجماهير، وإنما هو نتاج وحصاد له .
وعلي أية حال فإنه لم يقع أسير وهم المكاسب المرحلية التي كان يمكن أن يجنيها جراء مناصرة حماس في أحداث غزة الأخيرة ، فهذه خيانة لموضوعيته ولإمكانيات تحرير المعرفة والواقع ، فالرهان الحقيقي هو أن تقف مع حركة التاريخ ومصير انتصار إرادة الشعب الفلسطيني ، ومع نضال جمهوره الساعي نحو الانعتاق الاجتماعي والامتلاك الفعلي للحرية .
.
.
الثلاثاء, 14 ابريل, 2009
ثمة حاجة للتأكيد علي أن أحد أبرز معضلات مسيرة الكفاح الفلسطيني المسلح، أنه لم يتمثل ـ ووفق شروط الحالة الفلسطينية ـ واحدة من النماذج النوعية المتداولة لحروب التحرير الشعبية ، ويستوعب خبرات وطرائق ثوراتها الناجحة.
فالثابت أن حركة التحرير الفلسطينية لم تتبلور ( تاريخيآ ) كحركة مستقلة داخل الأراضي المحتلة ، تكون قادرة بطليعتها علي شق طريقها نحو حشد الجماهير وتعبئتها سياسيا ، وإدارة عنفها المشروع ضد العدو الصهيوني .
كما أن الطبقة العاملة وشرائحها الأجيرة، عجزت بدورها عن إقامة تحالف وطني بديل يستطيع تحقيق مهمة التحرير، ومن ثم لم تتوافر معطيات « الموقف الثوري » الذي يمكن أن يؤسس لاندلاع الثورة، سواء في طرازها الكلاسيكي كانتفاضة مسلحة أو في صورة حرب طويلة الأمد .
ولذا تحركت النخب السياسية والفكرية والأحزاب البرجوازية العربية ـ التي شكلت خياناتها عاملا رئيسيا في ضياع أرض فلسطين ـ لتشويه الوعي العام العربي بتلك المفاهيم الثورية، فتمسكت بحصر وتعيين الصراع عبر ( الإطار والهوية القومية )، وباعتبار فلسطين هي القضية المركزية للعرب والعروبة .
فحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مازالت تتأرجح بين طلب السياسة والسلطة والسلطان الدهري، وبين المقررات الدينية التي تفرض عليها ـ حسب تصورها للصراع ـ واجب طرد اليهود من « وقف فلسطين الإسلامي » .
وهي بذلك تفتقد الهدف الاستراتيجي الذي يوحّد فصائل العمل الفلسطيني خلف ممارساتها القتالية وتحت راية مواجهة العدو المشترك، كما لم توفر الغطاء الاجتماعي اللازم لذلك ، فمفردات مسرحها السياسي والعسكري، لا تشمل أبناء الشعب وفئاته العمالية والفلاحية التي تمثل رصيد الاحتكاك اليومي والمباشر مع الاحتلال .
وهو عندما يعارض المقاومة السلفية التي تعتمد منهج تأجيج المشاعر والعواطف باسم الإسلام وكلمة الدين، وتفتقر إلي البوصلة الهادية للنضال السياسي والجماهيري المتكامل والمنظم، فإنه يحمي بذلك ( البندقية الفلسطينية ) من أن تكون قوة مغامرة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها تهم العبث والإرهاب والعنف غير المشروع .
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.












