تراجع تيار الإستقلال فى أنتخابات نادى قضاة مصر يقدم دروسآ هامة يتعين الإنتباه اليها فى هذه المرحلة الفارقة من تطور حياة السياسة والمجتمع فى بلادنا .
فالثابت هو دخول الجماعة القضائية ساحة الجدل العام حول الاصلاح السياسى والإجتماعى و من منظور ضرورة الإعمال الحقيقى لمبدأ الفصل والتوازن بين سلطات الحكم الثلاث وأعادة رسم العلاقة فيما بينها على أرضية دولة القانون والدستور.
الخطاب الإصلاحى للجماعة القضائية بمفرداته الحقوقية والسياسية ليس بجديد , فهو يشكل واحدة من الظواهر التاريخية الحداثية , وحيث لعب العقل القانونى دورآ محوريآ فى تأسيس وأنجاز مشروع الدولة والأمة المصرية المرتكزة على الفكر الوضعى ومنطق العقلانية والأخلاق المدنية.
غيرأن ثورة يوليو حملت تقديرآ سلبيآ لهذا الدور ولموقع القانونيين فى البنية السياسية والإجتماعية المصرية , وحيث نظرت اليهم بحسب كونهم الراعى الأكبر لطبقة الإقطاع ويده الطولى ورصيده فى صفوف الرجعية الوفدية .
ما يتعين الالتفات اليه هنا أن العلاقة بين الدولة المصرية والجماعة القضائية كانت ومازالت محملة بتناقضات وتفاوتات لا يمكن فهما الإ عبر صراع وتبلور المصالح والوعى بموقع الفئة القضائية داخل التكوين الاجتماعى وديناميات تحولاته المتعاقبة .
ففى الستينيات وحيث ساد نمط يمكن تسميته ( برأسمالية الدولة ) دعمت الدولة وجود شرائح وسطى داخل تلك الفئة وبهدف تزكية حضور ( البرجوازية الصغرى ) التى شكلت عنصرآ مؤثرآ فى التحالف الطبقى للدولة الناصرية .
تلك ( المواقع الوسطى القضائية ) كانت متجانسة ومتوافقة مع توجهات الثورةالاجتماعية وإصلاحاتها الإشتراكية , وحيث عمدت الى تجاهل حقائق سيطرة وتغول السلطة التنفيذية على ما عداها من سلطات , وعن تجاوز صفوات الحكم وجهازهاالبيروقراطى والأمنى لشرعية دولة القانون وقواعدالدستور فى مناسبات عديدة .
و مع عقدالثمانينات والتسعينات - وعبر التحول الى نمط انتاجى مغاير وحاجة الحكم ( لإعادة أنتاج الجماعات الوسطى ) - أرتفعت حدة توابع وتأثيرات الحراك الطبقى
لدى تلك المواقع وأمتداداتها لتفقد فى النهاية طابع التجانس والإستقرار النسبى التى تمتعت به .
ومن هنا برزت أشكالية تترجم - وضعية الإستقطاب الذى شهدته الجماعة القضائية ( فى كليتها ) وعلى مستوياتها الداخلية خلال تلك الحقبة بين : شرائح عليا ارتقت السلم القضائى بسند من النفوذ المالى والتوارث العائلى للمهنة , وبين شرائح وسطى تمكنت من تأكيد شرعية المرور والحضور بسند من المتغيرات الإجتماعية والطبقية التى أحدثتها ثورة يوليو
خصائص ووعى الطبقة التى تصون الأفكار الحقوقية والليبرالية لدولة القانون والدستور الخالصة ظلت لصيقة بالفئة القضائية العتيدة وشرائحها العليا , فى حين غلبت أنماط وقيم ومعايير الفئات الوسطى على القاعدة العريضة من أبناء الجماعة القضائية الوافدة الى مجتمع القانون .
دولة القمع تنبهت منذ زمن الى حقيقة هذا التكوين الاجتماعى الجديد لجماعة القضاة المصريين وعمدت الى توظيف الخلاف فى المنابت والأصول الإجتماعية لهم وبهدف بذر أوجه من التناحر والشقاق بين صفوفهم .
ومن هنا أخذت فى الضغط على العصب العارى لبعض المصالح الاجتماعية الخاصة بهم والتى تشكل مستلزمات أساسية : كأوجه الرعاية الصحية والاجتماعية والرواتب , والإعارات ,والندب للعمل كمستشاريين , وبعض المزايا الخدميةوالمصرفية .. وغيرها
وشرع النظام فى توجيه تلك المطالب والحقوق وبهدف تفتيت الوعى القضائى العام وتكريس التناقض بين مصالح الأفراد من جانب وبين المصلحة الجماعية للفئة من جانب
آخر .
فينما تقتضى مصلحة الفئة فى مجموعها تأكيد منحى الإستقلال المالى والإدارى عن الدولة وسلطة الحكم , فأن مصلحة الفرد تدور حول التحرر من تلك الضغوط المتلاحقة - وكجزء من سلوك وحلول أبناء الشرائح الوسطى .
تلاعب الدولة بوضعيات المركز الإجتماعى للقضاة ( كجماعة مهنية فئوية ) وفى ظل سيطرتها على القاسم الأعظم من مقررات شأنهم المالى , هو ما يفسر حالة التردد والتراجع المتوالى داخل الحركةالاحتجاجية القضائية.
فالوقفة الكبرى أمام دار القضاء العالى فى 25 مايو 2006 كانت هى ختام المشهد القضائى الاحتجاجى وعلى الرغم من الزخم الشعبى والنخبوى الرافد له , وحيث أنخفض سقف مطالب الجماعة الى مجرد ضمان " حماية القضاة من أجراءات الفصل والتنكيل " عقب الحكم القضائى الصادر بحق المستشاريين محمود مكى وهشام البسطويسى .
ثم عادت الجماعة لتقف صامتة أمام رفض مجلس الشعب نقل تبعية التفتيش القضائى من وزير العدل الى مجلس القضاء الأعلى , وكذا رفضه أختصاص مجلس القضاء بتعيين رؤساء المحاكم الإبتدائية , وعدم موافقته على أدراج نص فى قانون السلطة القضائية بشأن نادى القضاة وأعتباره شأنآ من شئونهم لا يخضع سوى للجمعية العمومية للقضاة .
كما لم تحرك ساكنآ أزاء حجب الدعم المالى لنادى القضاة من جانب وزارة العدل فى عهد ممدوح مرعى , أو فى مواجهة قرار مجلس الصلاحية بادارة التفتيش القضائى والذى تضمن أحالة أكثر من 186 قاضيآ إلى الصلاحية بعضهم لأسباب سياسية واضحة .
ثمة حاجة للتأكيد على أن الأدوار السياسية والإصلاحية للقضاة تظل دالة فى متغيرات الحركة الإجتماعية والطبقية العامة , وفى محددات معايير تكيفها مع نظام الإستبداد القائم , ودرجة مقايضة حقوقها وأستقلالها الأدارى والمالى والسياسي بعطايا ومكاسب أقتصادية وحياتية ضئيلة ومرحلية.
خطيئة نخبة تيار الاستقلال أنه راهن على دور جديد للقضاة وبمعزل عن تلك المعطيات التى تحكم فى النهاية حراك الجماعة القضائية وتضبط مدى تأثيرها على مسرح الحدث السياسى والاصلاحى العام .
قراءة النتائج التى أسفر عنها قرار الجمعية العمومية لقضاة مصر كاشف عن سيادة عقلية الفئات الإجتماعية ( الوسطى والوسطى العليا ) على المشهد القضائى وفى ظل هاجس وحيد كان مسيطرآ على الجميع هو تدنى دخول القضاة وزيادة الرواتب والمكافآت
!.
تزكية تيار الموالاة واكتساح القائمة الحكومية لإنتخابات نادى القضاة هو تعبير سياسى - أجتماعى عن الطابع التوفيقى لتلك الفئات الوسطى القضائية , وحصاد أخير لما تعرضت له الجماعة القضائية من ضغوط وترغيبات وإغراءات من جانب النظام الحاكم على مدار الشهور الأخيرة.
وأيا ما كان الأمر فأن الجماعة القضائية المصرية وبحكم موقعها فى التقسيم الإجتماعى وعلاقتها بوسائل الإنتاح وتجربتها التاريخية لن تقدم أكثر مما فعلته خلال الأعوام الثلاث الماضية .. ولكن يظل الأمل معقودآ على القوى الأساسية الدافعة للتحولات التاريخية والإجتماعية الكبرى , وصاحبة المصلحة الأكيدة فى تحقيقها على أرض هذا الوطن.
.
.
الاحد, 15 فبراير, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.













من مصر
النظام يتبع سياسة فرق تسد ، و يستفيد من تفكك أى جماعة (مثل القضاة) و عن طريق تضارب المصالح بين أفراد الجماعة الواحدة يتمكن من تحقيق السيطرة على مقدراتها ، فرغم كثرة الجماعات الرافضة لهذا النظام الديكتاتورى ، لم تتمكن المعارضة من توحيد كلمتها و التصدي للفساد و القضاء عليه ، جماعة القضاة ليست استثناء ، الفارق الجوهري بينها وبين الجماعات الأخرى هو المستوى الثقافي و الفكرى المتميز . المقال عرض تحليلى مفصل لمشكلة جماعة القضاة.
تحياتى و تقديري