ورشة الأحد
ساحة للدفاع عن الفقراء والكادحين فى معركة الحياة.
.
.

مصر وذاكرة الغضب : دروس من وحى أنتفاضة يناير 1977

ذكرى مرور أثنا وثلاثين عامآ على أكبر تحرك شعبى فى تاريخ مصر المعاصر منذ ثورة1919  تستوجب وقفة لاستخلاص العبر والدروس منها , فى هذه المرحلة الفارقة من تطور حياة السياسة والمجتمع فى بلادنا .
فعلى مدار يومي 18 و19 يناير 1977 عبر طوفان جماهيرى غاضب أمتد بطول مصر وعرضها عن رفض تلقائى لتوجهات نظام السادات الاقتصادية والاجتماعية . 
رفض وصفه اللواء / حسن أبو باشا - مدير مباحث أمن الدولة فى ذلك الوقت - بأنه كان بداية حقيقة  لثورة شعبية شاملة وغير مسبوقة فى مصر (  حديث لجريدة الدستور فى 15 يناير 1997 ) .
فالواقع أن الانتفاضة جسدت بتعبيرها الصادق عن الأرادة الشعبية حقيقة الانفصام بين السلطة وتطلعات القاسم الأعظم من أبناء الوطن , وأنهت شرعية حكم السادات وبأثر مباشر لها  , تمامآ كما أنهى حريق القاهرة فى يناير 1954 شرعية الملك فاروق  .
رصيد تلك الانتفاضة يطرح تجربتها أمام قوى الاحتجاج الناهضة وبهدف تعزيز طموحها فى تعبئة الجماهير وأنجاز عملية التطور الديمقراطى المنشود عبر حركتها الشعبية الكبرى .   
فأحد أهم الخبرات المستفادة أن الحركات ذات الطابع التلقائى ودون قيادة حاكمة وموجهة لها -  لا تحقق نتائج أيجابية على المدى الطويل , بل على النقيض يمكن أن تهيىء الظروف لأتخاذ أقصى أجراءات البطش بالجماهير من جانب سلطات القمع ..
فعقب الأحداث سارع السادات - وبمبررات حماية السلام الاجتماعى ومنع الخروج على الشرعية - الى تطبيق ترسانة من التشريعات المقيدة للحقوق والحريات العامة والى الانقضاض على فعاليات اليسار مع حملات بوليسة طالت قياداته وكوادره فى القواعد العمالية والطلابية .
وهكذا كشفت المواجهة فى يناير عن حتمية تنظيم وتخطيط وأدارة معدلات السخط والاحباط الجماهيرى وبهدف ضمان ترجمته فى الوقت المناسب الى قوة ضغط وتغيير سياسى حاسم .
فالحاجة تبقى ماسة لطليعة قائدة تدرك حساسية ومعطيات الموقف وحدود عملية الحشد ومراحل وخطوات التقدم بها - ودون أن تمنح النظام فرصة لتطويق الحدث والردع المضاد .
ذلك أن الفعل الجماهيرى العفوى يصبح أداة توتر ومغامرة اذا لم ترفده بوصلة هادية تؤشر الى معرفة وتقدير مصادر قوة النظام وشبكات تحالفاته السياسية والاجتماعية . 
كما أن هناك ضرورة لاحترام الميراث الإجتماعى والنفسى للدولة المصرية النهرية / المركزية , والذى يشكل جانبآ مؤثرآ من الوعى التاريخى لهذا الشعب .
فمصر تنبذ الطفرات الفجائية العنيفة والدموية , ولكنها تروم عملآ تدريجيآ يقود الى ثورة وطنية ديموقراطية -  تحسم أزماتها الخانقة وتحقق آمال وطموحات مواطنينها .
وذاك يستلزم  جهدآ نوعيآ وتراكميآ لفهم وإستيعاب تناقضات الواقع والعمل على تثويره ودفع تشجيع أصحاب المصلحة أنفسهم على المشاركة الفاعلة فى تغيير شروطه وقوانينه .
أن جذب تلك القوى الاجتماعية رهن بخطاب يربط  دومآ بين ضرورات الاصلاح الديموقراطى والدستورى وبين مطالب العدالة الأجتماعية والطبقية , وبما يؤكد رفض الأنحياز لسلطة الرأسمال و يضمن علاج أوجه الخلل فى توزيع الثروات والدخول .
فالثابت أن مفردات الأجندة الحقوقية الليبرالية لا تشعل حماس الجماهير وانتفاضة يناير تقطع بأن الحافز الأكبر لحركتها يتقدم عبر المطلب الاقتصادى , وعبر ترقية الوعى بأسباب ومعطيات الجور والحيف والتهميش الاجتماعى التى تطال قطاعات عريضة من أبناء هذه الأمة .
كما أن هناك ضرورة للعمل على أشاعة القيم الديمقراطية وثقافة العقلانية بين المواطنيين وكمدخل لتحرير المجال العام المحاصر دومآ بقيود وأصفاد السلطة .
مع يقين بأن الحصاد الأمثل لحركة الجماهير يبدأ من توحيد صفوف القوى التقدمية الديموقراطية القادرة على التغيير والتى تلتزم مصالح وأحلام سواد هذا الشعب و تستطيع أن تضع حدآ لأزماته وتقدم بديلآ حقيقآ له .
ضبط أيقاع تلك الحركة وفق دروس تجربة أنتفاضة يناير سيقود ومن جديدالى تيار ( اليسار الوطنى ), وسينفى وبشكل حاسم الخيار المطروح علينا منذ عقود بين الحكم الفاسد من جانب , وبين تيار الاسلام السياسى ودولته الدينية من جانب آخر
.

(8) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 19 يناير, 2009 06:26 م , من قبل amany315
من مصر

الصديق العزيز الأستاذ عماد
مازلت أذكر انتفاضة الحرامية كما أطلق عليها السادات تهوينا من شئنها ، و طواها النسيان ، فهى لن تذكر في كتب التاريخ الآن على الأقل ، و بالفعل الإفتقاد للقيادة في تلك المرحلة تسبب في فشل تلك الثورة ، و أظن أن القيادة الفعالة هي ما تحتاجه الحركات المعارضة الآن.
المقال تحليل و نقد رائع لمسببات ، و أسباب إخفاق هذه الثورة .
لك تحياتي.


اضيف في 20 يناير, 2009 12:31 م , من قبل shimoo1985
من مصر

السيد الأستاذ/ عماد
صاحب مدونة / ورشة الأحد
اعتذر عن الخروج من موضوع التدوينة لقد أرسلت لك الجزء الثالث من الاستمارة (7صفحات)، أرجو منك إرسال رسالة توضح أن الجزء قد وصلك وأنه ليس هناك مشكلة في إرساله أحالت وصله لسيادتك .
تحياتي وتقديري
شيماء إسماعيل
باحث ماجستير- كلية الآداب جامعة القاهرة.


اضيف في 20 يناير, 2009 06:40 م , من قبل emadelsape
من مصر

( تعقيب - 1 ) ..
الصديقة الغالية / أمانى .. تحيات خالصة ..
بالفعل المراجعة النقدية مطلوبة دائمآ أيتهاالرفيقة ! .. وأذا كانت " أنتفاضة الخبر " تعبير قاس عن الفجوة والهوة التى فتحت بين الشعب ونظام السادات .. فأن هناك خطايا يتعين الانتباه اليها عند مراجعة الحدث / معطياته ومسيرته ونتائجه .. ومنذ زمن لم يكن حملة المباخر من بين صفوف اليسار ليسمحهوا بهكذا مراجعة لبعض المحطات التى تحمل اليسار المصرى المسئولية المعنوية والقانونية عنها .. غير أن اليسار الجديد فى مصر يفتح صدره الآن لدفع مثل هذه الرؤى النقدية للأمام وذلك من أجل استخلاص المزيد من العبر والدروس .. وتلك هى الروح الجدلية / العقلانية والتقدمية التى نسعى لتكريسها فى واقع حياة السياسة والمجتمع فى بلادنا ..
مدت بخير وسلام أيتها الصديقة الوفية .. عماد


اضيف في 20 يناير, 2009 06:49 م , من قبل emadelsape
من مصر

( تعقيب - 2 ) ..
الأستاذة الفاضلة / شيماء عباس .. تحيات خالصة ..
لقد تلقيت بالفعل الجزء الثالث من أستمارة الاستبيان الخاص بعملكم البحثى : ( رسالة الماجستير حول المدونات المصرية كمصدر للمعلومات على شبكة المعلومات الدولية ) ..
و أنا أعدك ببذل الجهد لأتمام الأسئلة المطروحة فيها - فى الوقت المناسب ..
مع تمنياتى لكم بالتوفيق والسداد ..
دمت بخير وسلام .. عماد


اضيف في 22 يناير, 2009 06:26 م , من قبل dodo555555
من مصر

اخى العزيز عماد السبع
تحياتى وتقديرى لهذا المقال الذى تستخلص فيه دروس انتفاضة الحرامية.
وبصراحة نحن شعب عاجز، لا يستطيع ان يفعل شيئا ازاء الظلم الواقع عليه.
الانقلاب الوحيد الذى نجح هو انقلاب الضباط الاحرار على الملك فاروق. ولما نجح تمت تسميته الثورة المجيدة. ولو فشل لتمت تسميته بالانقلاب الفاشل!
بالمناسبة لقد اجبت على استمارة استبيان الباحثة شيماء عباس ووجدتها ممتعة وقيمة جدا.
تقديرى العميق لك اخى الفاضل


اضيف في 23 يناير, 2009 12:54 ص , من قبل emadelsape
من مصر

( تعقيب -3 ) ..
الصديقة الغالية/ عبير ..تحيات خالصة ..
شكرآ جزيلآ على الثناء على الدوينة ..
تاريخيآ ( الشعب المصرى ) له أدواته الخاصة فى الثورة على الظلم - وهى ليست عنيفة أو دموية .. وهذا يعود الى طبيعة التكوين الاجتماعى - الفيضى والنهرى المركزى الذى تنتمى اليه مصر داخل " أسرة الاستبداد الشرقى" .. ولكنى أعتقد أن الحركات الاحتجاجية الصاعدة تحمل بذور جنينية لاعادة تشكيل هذا المنحى التاريخى المصرى .. فاليوم أيها الرفيقة كنت أتابع " أعتصام سائقى القطارات - الكمسارية والمحولجية " - ومن قبله " عمال البريد والنظافة فى القاهرة , وأصحاب المعاشات والتأمينات , وغيرهم .. هناك " صحوة شعبية جديدة " ولا شك وتستوجب الدعم والمساندة منا جميعآ .. ذلك أن الطريق الى تغيير سيكلوجية المواطنيين يستلزم جهدآ تراكميآ ونوعيآ طويلآ - وكما أوضحت فى التدوينة .. أنا معك فى توصيف " حركة الجيش فى يوليو " بأنها ليست ثورة على الرغم من بعض انجازاتها الاجتماعية والطبقية ..
لقد قمت من جانبى باتمام الاستبيان الخاص بالاستاذة / شيماء , وقد سعدت بوجود دودو بين عناصرالعينة المختارة لتلك الدراسة الاكاديمية , وتمنياتى للباحثة بالتوفيق والسداد , مع وعد بأن نقف الى جوارها على الدوام , وبرجاء أن تعزز ( الاطار النظرى ) للدراسة - لأننا نروم عملآ بحثيآ متميزآ وغير مسبوق حول المدونات المصرية كمصدر للمعلومات فى الفضاء السيبرى ..
دمت بخير وسلام أيتهاالصديقة الوفية.. عماد


اضيف في 23 يناير, 2009 01:09 ص , من قبل wafa
من مصر

The article is very well ..
depends on the political analysis wonderful
.. You do not never give up its aidlogia in writing .. Better than all the other professor / Emad


اضيف في 23 يناير, 2009 01:15 م , من قبل shimoo1985
من مصر

اشكرك الاستاذ الفاضل عماد على هذه الإشادة في حق الدراسة وعلى أمنياتك ودعائك الطيب لي وأتمنى ان اكون على قدر هذه المسئولية.
تحياتي وتقديري
شيماء إسماعيل
باحث ماجستير- كلية الآداب جامعة القاهرة.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.