(( أسدلت محكمة جنح سفاجا الستار في قضية العبارة المسماة " السلام 98 " التي غرقت في فبراير من العام 2006 بالبحر الأحمر بعد إبحارها إلي مصر قادمة من المملكة السعودية , وراح ضحية هذا الحادث أكثر من 1032 راكبا معظمهم من الفقراء ورقيقي الحال .. الحكم صدر ببراءة مالك العبارة " رجل الأعمال الشهير وأمين الحزب الوطني الحاكم بمدينة الجيزة وعضو مجلس الشورى ".. والذي فر هاربا إلي إنجلترا بمساعدة رموز النظام الفاسد - عقب الحادث مباشرة .. حكم البراءة المذكور أثار جدلا قانونيا واسعا في مصر حول أسباب ضياع حقوق هؤلاء الفقراء والمستضغفين على خلفية تلك القضية ؟! .. كاتب هذه السطور يقدم اجتهادا قانونيا في هذا الصدد يحمل من خلاله " النائب العام المصري وسلطات التحقيق " المسئولية كاملة عن إهدار حقوق هؤلاء البسطاء من البشر ومنوها الى البعد الطبقي / القانوني الحاكم للقضية .. الموضوع يبدو مصريا محليا ولكنه - فى واقع الأمر- يتطابق مع ماهو متداول من مستويات و أوضاع قانونية و حقوقية فى القاسم الأعظم من دول عالمنا العربى .. وقد نشرت صحيفة البديل اليسارية هذا المقال تحت عنوان " قضية عبارة الموت وقيم الحداثة القانونية " - وكذا جريدة الأهالي تحت عنوان " قضية عبارة الموت وأستقلال سلطة التحقيق " ..
والمقال إهداء خاص إلي الرفيقة / أماني مغاورى صاحبة مدونة " إبحار في عوالم الثقافة والعلوم والفنون " – التي كانت أول من نشر موضوعا حول العبارة بعنوان " ولا عزاء للضحايا " .
التناقض بين واقع الإدانة الشعبية غير المسبوقة لمرتكبي كارثة عبارة الموت وبين عجز الأداة القانونية عن تحقيق العدالة الجنائية - دليل جديد على تآكل بعض أهم مفردات قيم دولة القانون الحديث في مصر .. صدمة الحكم الصادر بالبراءة ولدت شكوكا حول مصداقية الجهاز العدالي للدولة المصرية , وطرحت تساؤلات عن مدى حياد واستقلال القضاء في ظل سطوة ونفوذ رجال المال والأعمال , فضلا عن تهديدات بالعودة إلي عصر القضاء الفردي الخاص و أن أهالي الضحايا في الطريق إلي نيل حقوقهم المهدرة بالثأر من" ممدوح إسماعيل ورفاقه " !!... ثمة تراجع ولا شك في إنجازات الحداثة التي راكمتها الجماعة القانونية المصرية على مدار القرن الفائت , و التي أرتزكت تاريخيا على الإيمان بالمنطق الوضعي وبالمساواة المدنية وعمومية القاعدة القانونية .. تدهور مثير تقدم على سند من عقود الطوارئ التي أشاعت إدراكا لدى نخب السلطة والمجتمع بان الدولة الأمنية وسلطات التنفيذ تمتلك الدستور وتحتكر القانون وأنها تمارس الحكم طليقة من قيودهم وضوابطهم .. العصف بدولة القانون وسيادته هو أبن شرعي لشبكة الفساد المالي والاجتماعي والمؤسسي التي اخترقت الحكم والجهاز الإداري و السياسي والحزبي, وعمدت إلي تطويع التشريع والقانون , و التمكين لمعايير التمايز بين المخاطبين بقواعده ونصوصه.. على هامش قضاء العبارة الأخير, فأن ما نود التأكيد عليه أن الجماعة القانونية المصرية صاغت إنجازات رائدة في مجال تحقيق دور النيابة العامة في تنظيم العدالة القضائية وبمعزل عن المركز اللاتيني والعالم القانوني الأوروبي الراعي لهذه للفكرة .. غير أن حكم البراءة والمعطيات والملابسات التي أحاطت بتحقيقات النيابة العامة في موضوع كارثة غرق العبارة السلام 98 بدا أنها تؤشر في جانب لا يستهان به إلي وهن وتداعى تداعى الكيان القانوني المستقل للنيابة العامة ودورها في تحقيق العدالة الجنائية – هو ما يستوجب وقفة للنظر والتحليل.. فوفقا للأصول المرعية في فقه وقانون الإجراءات الجنائية , فان النيابة العامة وبموجب التفويض من الهيئة الاجتماعية هي حارس المصالح العامة والمعبر الأصيل عن الإرادة العدالية للجماعة و الضامن لتنفيذ وتطبيق حكم القانون .. فإذا كان دور القاضى مقصورا على إنزال التطبيق السليم لقواعد القانون على الواقعة , فان دور النيابة العامة يمتد إلي ما هو أبعد وأعمق عن طريق مكافحة الإجرام وتحقيق المصلحة العامة فالنيابة جهاز إستراتيجي يواجه الإجرام كظاهرة اجتماعية ومشكلة سياسية , ويهدف إلي تحقيق غاية محددة هي خدمة السياسة القانونية عن طريق مباشرة الدعوى الجنائية وبوصفها أداة لحماية الشرعية .. إن إشباع الحاجة العامة للعدالة يتم وفق المكنات والسلطات الممنوحة ابتداءا للنيابة العمومية , فهي تباشر إقامة الدعوى الجنائية من أجل إقرار سلطة المجتمع في العقاب , وهى في ذلك لا تعمل باسم السلطة التنفيذية , وانما طبقا لوكالة الأمة ذاتها وكمصدر لكل السلطات .. منذ ساعات الجريمة الأولى بان أن هناك تقاعسا في استنفار السلطات العامة لرفع الحصانة عن المتهم و التحفظ عليه لضمان عدم استغلال نفوذه وعلاقاته في العبث بأدلة الثبوت والفرار خارج البلاد .. إن حكما يصدر ببراءة ممدوح اسماعيل ( وهو خلف القضبان ) كان كفيلا برأب صدع مشروعية إجراء المحاكمة التي رانت حولها الشكوك عقب مغادرته للأراضي المصرية واستقراره في إنجلترا , ثم مساومته أهالي الضحايا بالتعويضات والاغراءات المالية بعد ذلك .. كما أن إعادة مراجعة قيد ووصف الاتهام الصادر من النيابة العامة بحق المتهمين كاشفة عن أن " ممدوح اسماعيل " كان يحاكم عن ( ركن العلم اليقيني ) بغرق السفينة من عدمه ومدى تراخيه في الإبلاغ عن الواقعة, الأمر الذي يضع علامات استفهام حول حقيقة التكييف والإسناد القانوني التي أسبغته النيابة العامة على الواقعة بصفتها سلطة تحقيق وأدعاء.. فقد التفتت عن القرائن والأدلة المتصلة بتحقيق الركن المادي لجريمة القتل العمدي المنسوبة للمتهم , وأركان المسئولية الجنائية المفترضة للتابع عن أفعال تابعه , كما أسقطت التهم المتعلقة بإجراءات حماية السفينة و تسيرها وحمولتها و مدى توافر اشتراطات السلامة والأمن البحريين .. فضلا عن أن أوراق الدعوى خلت من إثبات توجيه و تنبيه العدالة القضائية إلي سوابق الشركة السوداء في نطاق الكوارث البحرية , ومناحي قصورها وعودها المستمر في هذا السياق .. وفق قرار الإحالة المذكور فأن أصابع الإدانة والاتهام - لم تشر مباشرة إلي عمدية الفعل الإجرامي " لممدوح إسماعيل " - وهو الأمر الذي رتب في نطاق الدعوى العمومية أثريين في غاية الأهمية -
فأولا : تم استبعاد شبهة الجناية العمدية في إزهاق هذا العدد من الأرواح , واختصاص محكمة جنح سفاجا الجزئية ( نوعيا ) بنظر الدعوى , ورغم النص في قانون العقوبات المصري على أن القتل الخطأ لأكثر من أربعة أشخاص يعد جناية !! ..
وثانيا : تم تجزئة وتفتيت أوصال الدعوى بين أكثر من جهة قضائية , وحيث أحالت النيابة موظفي السلامة البحرية وموانئ البحر الأحمر إلي جهة ( مجلس الدولة و القضاء الإداري التأديبي ) , في حين أستمرت محاكمة ممدوح اسماعيل أمام جهة ( القضاء العادي و محكمة الجنح الجزئية ) ورغم وحدة السبب و الموضوع والفعل الإجرامي.. وإذا كان دور النيابة العامة في الدعوى الجنائية وفى غيرها من الدعاوى التي تختص بتحقيقها وتحريكها أنما يهدف وفى الأساس إلي تحقيق الدفاع الاجتماعي بحماية القانون والشرعية , فان واجبها الأصيل أن تعرض على جهة القضاء ما توافر تحت يدها من أدلة وقرائن لإنارة طريق العدالة وحسن سيرها .. لقد كان اللافت للنظر أن محكمة جنح سفاجا صدرت السبب الأول لحكم البراءة بالقول " أن أدلة وقرائن النيابة العامة جاءت قاصرة عن حد الكفاية لإدانة المتهمين , وأن أصول التحقيقات التي قدمت أليها خلت من أقوال بعض ممن وردت أقوالهم بقائمة أدلة الثبوت والتي عددت المحكمة أسمائهم على سبيل الحصر" !! .. وقيل أن النيابة العامة - وبعد إغلاق باب المرافعة وحجز الدعوى للنطق بالحكم - قدمت صورا ضوئية من تحقيقاتها مع بعض هؤلاء الشهود الوارد أسمائهم بأدلة الثبوت - التفتت عنها المحكمة لعدم تقديمها أثناء سير الدعوى واشتداد أور الخصومة !!.. ثم تضمنت حيثيات الحكم بعد ذلك تشكيكا صريحا في مسلك النيابة العمومية ووصفتها بين قوسين ( بالأمينة على الدعوى العمومية ) ثم أردفت بعد ذلك أنها استبعدت من الاتهام ( المدعو / أندريا أودينى ) رغم دوره الحاسم على مسرح الجريمة .. أن أخطر تقريرات حكم البراءة أنه صدر لافتقاد معلومات ومستندات مطلوبة من ( النيابة العمومية ) لإدانة ممدوح إسماعيل ورفاقه , إذ يعنى ذلك بطريق اللزوم العقلي أن سلطة التحقيق لم تهيئ الدليل ولم تنهض إلي تحضيره وتمحيصه في واحدة من أهم قضايا الرأي العام .. سرعة التقرير بالاستئناف من جانب النائب العام وإصداره بيانا لاحقا لحكم البراءة لا يجب أوجه ضعف وعوار الملكات الادائية لسلطة التحقيق التي باشرت الدعوى الجنائية - والتي تعتبر أداة رئيسية لحماية العدالة والشرعية في إطار التنظيم العقابي والإجرائي المصري .. الاستقلال الحقيقي لسلطة التحقيق وكفالة حيادها ونزاهتها , هو أحد أهم أركان دولة القانون و الحداثة السياسية والدستورية., وما حدث من ظروف و ملابسات رافدة لتلك الدعوى يترجم أزمة يعكسها تساؤل مطروح الآن عن مدى وجاهة أحياء النصوص المعطلة ( لقاضى التحقيق ) بقانون الإجراءات الجنائية , ليضطلع بمباشرة تحقيق تلك القضايا الكبرى.. أن الحديث عن ضمانات أستقلال النيابة العامة هو حديث مفارق لواقع لا يعززه فصلا حقيقيا بين السلطات وتهيمن فيه أجهزة السلطة التنفيذية فعليلا على مقاليد السلطات الموازية و على إدارة الحكم وعمليات النظام .. في قضية العبارة كان جبروت تلك السلطة التنفيذية حاضرا ( كخصم مخيف ) يتمتع بالتأثير وبقوة نفوذ ورأس المال , وعلى الطرف الآخر كانت هناك ضحايا ومدعين بالحقوق المدنية من فئات فقيرة ووسطى تفتقد إلي الحد الأدنى من الحماية القانونية والواقعية .. ثمة ( بعد طبقي ) يطل برأسه ويتعين الانتباه إليه عن الحديث عن ضمانات حقيقية ( وليست وهمية ) لحماية المواطنين وتحقيق العدالة والمساواة أثناء التحقيقات ومرحلة جمع الاستدلالات ..قضية العبارة السلام هي قضية ( أمن قومي ) بامتياز راح ضحيتها آلاف الأبرياء و أضرت بالاقتصاد وبسمعة الملاحة البحرية , ولكنها قبل ذلك كرست ( الصورة السلبية ) عن القانون ودوره وأجهزته التي أضحت سائدة ومسيطرة على ثقافة الجمهور والمجتمع العام .. تجريف وتبوير ما تبقى من قيم القانون الحديث , وعدم الاعتداد بتحقيق عدالة جنائية يتوق أليها الجمهور - ولصالح سطوة الرأس المال وشبكات الفساد والحكم الاستبدادي , هو أخطرما نقرأه من بين ثنايا وتضاعيف قرار الاحالة وحكم البراءة , وهو ما يستوجب يقظة وانتباه الجماعية القانونية والحقوقية المصرية .
من مصر
الصديق العزيز الأستاذ عماد
بداية لك خالص الشكر على ها الإهداء الذي اعتبره وسام على صدري .
بالنسبة لحادث العبارة ففي صبيحة يوم غرقها كانت الصدمة و الذهول تخيم على الناس جميعا ، فهو ليس بالحادث الهين ، لكنه فاجعة راح ضحيتها مئات من الكادحين من أهلنا في الصعيد الذين استقلوا العبارة بدلا من الطائرة لتقليص مصاريف عودتهم بعد الغربة من أجل توفير حياة كريمة لأبنائهم ، فلا عادوا و لا عاد أبناؤهم .....وجه الطفل اليتيم الناجي الوحيد من أسرته يعذبني كلما تذكرت كيف غابت أسرته في لحظات و تركته وحيدا يعاني آلام اليتم ما تبقى له من العمر .
هناك جانب لم يتم تناوله بالشكل الكافي ، و هو جريمة البلطجة ،حيث قام صاحب العبارة و معاونوه باختطاف بعض الناجين من الحادث لمنعهم من الشهادة ، و كذلك لمساومة أقاربهم للتنازل عن القضية أو للتنازل عن حقوقهم المادية ،لتضاف جريمة أخرى للسجل الإجرامى لصاحب العبارة.
تحياتي لك على مقالك الرائع الذي يقدم رؤية شاملة لملف العبارة ، و أشكرك على إهدائك النبيل.