فتى رقيق عانى منذ الصغر نوبات ربومزمن كانت تنتابه وتغتال صدره دون رحمة.. كان شغوفا بالعزف على الجيتاروأنشاد الشعروالتصويروصيد الفراشات ! .. كان يحمل بداخله تناقضا عجيبا يمزج به سلوك الجرأة بالخجل ويجمع فيه التواضع بالتمرد الجامح وبالاعتداد بالذات.. مع روح لاذعة ساخرة من كل شيىء حتى نفسه ! .. دافىء الصوت عميق وجذاب - عبثى المظهرعلى نحو لا يقاوم .. فى العام 1947 عاد والده المهندس المعمارى و أسرته البرجوازية الى العاصمة الأرجنتينية " بيونيس أيريس" - وهناك التحق " جيفارا " بالكلية لدراسة الطب .. وفى نهاية عامه الجامعى قام بجولة طويلة بالقارة اللاتينية أستمرت ثمانية أشهر على دراجة بخارية .. جولة أكتشف فيها مرارة الواقع الاجتماعى ورأى عن كثب مظاهر الفقر والجوع والمرض التى تفتك بالجميع .. وبعد تخرجه فى العام 1953 قام بجولته الثانية الى " جواتيمالا " وحيث شهد سقوط نظام الحكم الديموقراطى بزعامة "جاكوبوارينز " على يد أمريكا .. وهناك قابل المناضلة اليسارية " هيلدا " التى دفعته الى قراءة " ماركس ولينين وتروتسكى وماو " .. ومنذ ذاك التاريخ أصبح الطبيب الشاعر ماركسيا ملتزما وحدد مسار حياته كمقاتل ثورى يروم نشر مبائها العدالية والتحريرية .. يقول جيفارا : " لا يستطيع المرء أن يكون متأكدا من أن هناك شيئا يعيش من أجله الا أذا كان مستعدا للموت فى سبيله "..ثم سافر الى " المكسيك " حيث التقى " فيدل كاسترو" واتفقا على بدء المقاومة المسلحة ضد حكم الدكتاتور " باتيستا " فى كوبا .. وبالفعل خاضا معا حرب عصابات طويلة انتهت بانتصارهما ودخلا العاصمة هافنا كبطلين فى العام 1959 .. وفى تلك الأثناء أكتسب " جيفارا " لقب " تشى " والذى يعنى " الرفيق".. وبعد أستقرار الحكومة الثورية تولى العديد من المناصب القيادية - وتصدى بكل حزم للتدخلات الأمريكية فى الشأن الكوبى وقرر تأميم جميع مصالح الدولة وأعلن مساندة حركات الاستقلال الوطنى فى كل من تشيلى وفيتنام والجزائر ..ثم رحل بعد ذلك الى أفريقيا , وأتجه للكونغو الديموقراطية ( زائير ) لمساندة حركة التحرر الوطنى فيها .. ومن هناك أرسل الى الرفيق " كاسترو " رسالة أعلن فيها تنازله عن كافة المناصب الرسمية فى الدولة والحزب الشيوعى الكوبى وعن رتبته كقائد عسكرى ! .. مناضل فذ يتخلى عن كل المناصب وعن كل شيىء بعد أن حقق كل شيىء ! .. وقال فى تبرير ذلك : "هذا هو التناقض المأساوي في الثورة - أن تناضل وتكافح وتحارب من أجل هدف معيّن، وحين تبلغه، وتحقّقه ، تتوقّف الثورة وتتجمّد في القوالب , ثم ينتاب الثوار الصقيع حين يجلسون على الكراسى , ولكن أنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمّدة داخلى ".. ثم رحل بعد ذلك الى "بوليفيا " مع مجموعة محاربين للتحضير لرص صفوف حركات التحرير فى أمريكا اللاتينية .. وعندما سألوه عن الهدف من وراء تلك الرحلة الجديدة قال : " لا يهمنى متى وأين سأموت , ما يهمنى أن يبقى الثوار واقفين يملأون الأرض ضجيجا حتى لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسيين والفقراء والمظلومين , أن صدى كلماتى هذه سوف يتردد ويلهم المئات فى كل مكان وزمان مادام الظلم والعنف يسود هذا العالم , أنا مغامرولكن من طراز مختلف عن المغامرين الساعين وراء نزوات فردية عابرة ، إنّني أضحّي بكلِّ شيء من أجل الثورة والنضال المستمر , إنّني أؤمن بأنَّ النضال المسلّح هو الطريق الوحيد أمام الشعوب الساعية إلى التحرّر .".. وفى غابات بوليفيا كانت نهاية الأسطورة..حيث هاجم الجيش البوليفى وعملاء المخابرات الأمريكية مجموعة جيفارا الصغيرة التى ظلت تقاتل ببسالة على الأرض أكثر من ست ساعات متصلة .. و بعد موت وأسر كل رجاله ورغم أصابته بجروح فى ساقه - أستمر جيفارا وحيدا فى الميدان يقاتل حتى وقع فى الأسر .. وهناك تم تنفيذ عملية القتل فيه سريعا , وأخفيت جثته ورفضت بوليفيا تسليمها الى أخيه , أو حتى تعريف أحد بمكان مقبرته حتى لا تكون كعبة ومزارا للثوار من كل أنحاء العالم .. لقد سجل " جيفارا" أسمه فى أصنع صفحات التاريخ اليسارى الحديث - كمناضل لامثيل له على المستوى السياسى والعسكرى .. تكفى الأشارة هنا الى الفيلسوف " جان بول سارتر" والكاتبة " سيمون دى بوفوار " حيث أعتبارا جيفارا بمثابة ( التجسيد الحى لنقاء الثورة وعالمها المثالى ) .. يقول جيفارا " الطريق مظلم وحالك فأذا لم تحترق أنت وأنا فمن سينير الطريق , أنا أبن المذبحة وشهيد الخريطة , أنا وليد الكلمات البسيطة " .. ما تبقى من جيفارا هو روح الثورة الجذرية وعدم التسامح مع قوى القهر والطغيان .. قائد متسق الفكر والممارسة يخسر بشروطه ولا يكسب بشروط الآخرين .. يقول فى رسالة لزوجته : " تمسكي بخيوط العنكبوت دوما ولا تستسلمي عزيزتي تحت أى ظرف " .. ماركسى قح يترجم أمل الأشتراكية وأشواقها العارمة على الحرية والمساواة يقول: " لقد تعلمت الماركسية بالممارسة الفعلية فى الجبال..". ".. علينا أن نصل الى الضمير الاشتراكي قبل الخطط الاشتراكية وأن نبني الانسان الجديد ونغير عقلية الجماهير ، اذا اردنا فعلا أن نحقق المجتمع الاشتراكي المنشود" .." المظلومون هم مصدر القوة فى هذا العالم - أننى أحس على وجهى بألم كل صفعة توجه الى فقير ومسحوق فى هذا العالم , فأينما وجد الظلم فذاك هو وطنى " .. الفارق النوعى بين جيفارا وغيره من كل النماذج أنه ناضل من أجل تحقيق العدالة على أرض الواقع ولم ينتظر أبدا عدالة السماء لانقاذ المظلومين والمستضغفين فى هذا العالم .. ولم يتضرع بالدعاء والصوم والصلاة حتى تحل رحمة وعدالة الرب عليهم - يقول فى مقطع من مذكراته" أنهم يقولون للفقير لا تحلم بتغيير الواقع , أما أنا فواجبى هو أيقاظه وأجباره على الثورة " .. ليس هناك ماهو أبدع من رسالته لأمه التى يقول فيها : " قد تكون هذه الرسالة الأخيرة، لكنّني أودّ أن أقول لك شيئاً واحداً: لقد أحببتك كما لم يحبّك أي إنسان، لكنّني عجزتُ عن إظهار هذا الحبّ، ربّما لأنّني قاسٍ في
تصرّفاتي ، مع نفسي ومع الآخرين،والدتي أقول : لا تخافي ، إنَّ إرادتي القوية ، والشعلة التي تحرقني باستمرار ، ستكونان العكاز التي سيسند قدميَّ الضعيفتين ورئتي المتعبة وصدري الذي يزفر, من غسق الليل وفجر غدى ومروج السندس فى بلدى ودم شعبى الملتهب لونت خيوط علمى
- أرجو منك شيئاً واحداً: أن تتذكّرى دائماً ولدك التائه الذي يطوف الجبال والأدغال والأودية في أصعب الظروف وأدقّها لأنَّ شيئاً ما يتململ هناك في داخله , ويجعله يقّظاً تجاه ملايين الفقراء والمسحوقين في هذا العالم " .. أنه تشى جيفارا .. أبن المذبحة وشهيد الخريطة ووليد الكلمات البسيطة.!!.
أضف تعليقا
من مصر

رائع جدا ان يكتب السبع (ملك الضواري)عن الثائر الاسطوري الحالم(صائدالفراشات)وليسمح لي صديقي الجميل عماد ان استعير لقبه( السبع)لحساب صائد الفراشات فقط لاجل أمي التي أظنهافي هذه الظهيره رغم ستينات عمرها تتوسط قرار يط غيطها الصغير وتنحت تربته بفأسها الذي طالما ومازال يلازمها طوال اربعين عاما منذ رحيل ابي الذي كان (سبعها) وياليت أمي (لها المجد هي وكل الكادحات) تعرف انه لم يكن ثمة نبي ومسيح طاهر حمل صليبه من أجلها واجلهن جميعا سوى هذا الفتى الوسيم الثائر آه لو عرفن ؟ لبكينه الان وفي كل زمان
ولانتحبن وعزفن من فولكلور حزنهن كل عديد
ولكانت صرختهن تحية لجيفارا ... ياسبعي !!
لمن تركتنا يا (سبعنا).فقد هانت بنا الاقدار وسلمتنا لثمانيني هو الخطيئة بعينها القاها رحم القدرفي ظلمة الايام فصار ميلادك كثير المعاني ويذكرنا بالتناقض والتضادلنتذكر بالممفارقة صراع الاضاد
خيرك وشره نورك وظلمته ثورتك وخذلانه
(أسودك ونعاجه) !!!
وشكرا لك صديقي السبع على اثارتك لاشجاننا انا وكل الكادحين والكادحات
الباحثين عن الامل والعدل وعذرا اذا ماكنت أثقلت
من مصر

أنها عن حق....مقاله رائعه من مفكر رائع....(ياعمدتنا)عمده مصر
من مصر

( تعقيب -1 ).. الصديق الرائع / حامل المسك .. مروركم الدائم على ساحة و مدونة الدفاع عن الفقراء فى هذا العالم الافتراضى - دليل آخر على أنحيازكم للكادحين والمستضعفين فى معركة الحياة والمصير ..وجيفارا كان وسيظل رمز وعلامة ثورة على نصرة هؤلاء .. دمت بخير وسلام .. عماد
من مصر

( تعقيب - 2 )..الرفيق / شاكر .. تحيات خالصة ..لن أخفيك سرا أيها الغالى !..لقد فكرت كثيرا فى نشر المقال الخاص بكم والمعنون " الفقراء لا يدخلون الجنة " ..لقد أعجبت بمنطقه كثيرا ..أنه يضرب على و تر كيف يتم تقنين أوضاع الظلم الاجتماعى والتفاوت الطبقى باسم الدين وكلمة الاسلام..وهأنذاأجدد طلبى - فموضوع الاقتصاد الاسلامى يستوجب مزيدا من البحث والاهتماموالعرض على مجتمعنا التدوينى ... تحية الى والدتكم.. قبل يد تلك الفلاحة المكافحة -الأبية والصامدة نيابة عنى ..غدا أيها الرفيق سوف تشرق شمس العدالة والحرية ..فمن رحم مصر الجديدة تولد أشواق عارمة على مجتمع العدل والمساواة ..الآن - يفكر المصريون طبقيا بامتياز, وينتفضون هنا وهناك من أجل لقمة العيش والحياة الكريمة والانعتاق الاجتماعى .. أنا متفائل أيها الرفيق .. وعن يقين صادق أستطيع أن أوكد لكم أن الحاضر معنا والمستقبل لنا ..دمت بخير وسلام ..عماد
من مصر

( تعقيب -3 ).. دودو الغالية ..تحيات خالصة .. شكرا جزيلا على هذا الأطراء والوصف الجميل .. أنا بانتظار ما تخطه يداكم من جديد الابداع الصادق ..لم أنس أبدا أننى كنت أول صديق لكم داخل هذا العالم .. دام الحب ودامت المودة والصداقة .. رفيقكم عماد
من مصر

الأخ العزيز عماد
بالفعل نضال جيفارا ضد الديكتاتورية والرأسمالية و الإستعمار و نتائجهما من القهر و الفقر و خلافه ، هذا النضال يستحق كل تقدير ، فهو بالفعل شخصية متفردة ، لكن أرفض مقارنته بالأنبياء ، فالمقارنة هنا لا مجال لها ، وهناك حديث عن الرسول صلى الله عليه و سلم يقول فيه لصاحب الناقة الذى ترك ناقته دون أن يربطها و قال توكلت على الله ، فقال له اعقلها و توكل . فالدين (أى دين سماوي) لم يدع للتكاسل و السلبية ، و الفرق بيننا و بين غيرنا أننا عندما نعمل أي عمل نتوجه بالنية و الإعتماد على الله و نؤجر على هذه النية من الله سبحانه و تعالى.. و نعمل ليس فقط ندعوا و ننتظر أن تهبط علينا منح السماء ، فذاك أمر لم يمنحه الله حتى للأنبياء ، فحتى السيدة مريم و هي تعاني أشد آلام الوضع أمرها بالعمل و أن تهز النخلة ليتساقط البلح ، و تلك آيه يتعلم منها الناس العمل و أهميته ، فالله قادر على أن يرزقها كما رزقها في المحراب دون أن تعمل ، لكنه يعطينا درسا لا يفهمه إلا من قرأ بوعي .
إن رد فعل الماركسية المناويء للدين ، لو أدركناه في سياق الحقبة التي نشأ فيها سنجد أنه في الواقع رد فعل مضاد لإنحراف رجال الدين و تطويعهم الدين لكسب منافع شخصية لهم و للحكام ،مما يعني المزيد من القهر للفقراء و المهمشين.
فعلى الجميع أن يبتعد عن خلط الأوراق بين المذاهب السياسية و الأديان السماوية .
من الأردن

عزيزي الرفيق عماد
منذ شهرين تقريباً كنت تحدثت مع الصديق جو عن ذكرى إستشهاد المناضل الأممي الكبير " آرنستو تشي غيفارا " و تصادف أن جو كات يعد مقالة بهذه المناسبة التاريخية .. و يتصادف أيضاً أن صديقة فلسطينية مناضلة لا زالت تقيم حتى الآن في بوليفيا و كانت تعد فيلماً وثائقياً عن استشهاد غيفارا و زارت و عاشت لفترة في نفس المنطقة و جمعت شهادات ممن عاصروا غيفارا و منهم من شاهد جثمانه و تحدثوا بالفيلم عن تلك اللحظات الحاسمة من تاريخه ، و الفيلم كما علمت منها في آخر مكالمة منها قبل اسبوع من بوليفيا أنها إنتهت من إعداده ولا زالت تبحث عن وسيلة لعرضه في الفضائيات العربية ، سألتني : هل لازالت الجماهير هنا - في بلادنا - تذكر غيفارا ؟ قلت لها : نعم و تحتاج لأكثر من فيلم لمعرفته عن قرب ..
هي تتحدث الإسبانية جيداً و قالت لي أن لديها معلومات مهمة لم تعرض من قبل عن لحظاته الأخيرة .. حدثتني مطولاً أكثر من مرة أثناء إعداد الفيلم و كم شعرت بالفخر بها و بعملها و كونها تعيش في نفس المنطقة البعيدة القريبة من الدنيا و القلب .. وفي نفس الوقت يحزنني أن صورة " غيفارا" الصورة الأكثر إنتشاراً في العالم ، يرتديها الشباب و الشابات على صدورهم دون أن يستطيع أحدهم أن يحدثك ببضعة سطور عن الثائر العظيم ، صورته صارت موضة يبيعها محل للأزياء الفاخرة في عمان مختص فقط بغيفارا،!!
سألت مرة بضعة فتيات منهن بضعة أسئلة عن غيفارا فكانت الإجابات مخيبة للآمال ..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

















من بريطانيا العظمى المملكة المتحدة
انسان رائع
شكرا لك ياصديقي لطرحك الموضوع
كن بخير