صدق الرهان اليسارى على محورية دور الطبقة العاملة فى عملية التغيير الاجتماعى كقوة أساسية ودافعة لها هو ما يجب التأكيد عليه عند قراءة مفردات حدث الانتفاضات العمالية المتتالية فى بلادنا . طبقة و كتلة جماهيرية هى الأكثر تأثرا بتحولات السياسات الاقتصادية ومخططات وشراك الخصخصة وبحكم موقعها الاجتماعى وعلاقتها بأدوات ووسائل الإنتاج. هجمات شرسة ضربت بعنف العصب العارى لحياة هؤلاء الكادحين وعصفت بمكتسبات راكموها عبر عقود على أرضية قطاعهم العام ومظلة الرعاية الاجتماعية والحقوقية الحامية لهم . هؤلاء الساعون نحو تقرير مصيرهم الاجتماعى هم أصحاب المصلحة الأصيلة فى التصدى للتوجهات الجائزة والمنحازة لسطوة الرأسمال وزمرة الكمبرادور الجديد وفساد الإدارة. هيكل متجانس من بسطاء وشغيلة هذا الوطن قادر بوعيه وتفاعله المباشر والمستمر مع الآلة على استخلاص جوهر مفردات العسف والظلم الاجتماعى وقادر على تحديها والثورة عليها. على سبيل المثال ، صلف وعناد دولة القمع لم يصمد أمام حراك المارد العمالى فى ساحات مصانع الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى وأنهار فى مواجهتها وتم صرف كامل الأرباح والمكافآت مع شاشات عرض تليفزيونية ضخمة داخل الشركة لإعلان القرارات ولامتصاص الغضب وتهدئة الخواطر!!.
فشل ذريع لسياسة تأميم الفورات العمالية ومنطق إشاعة الخوف والإرهاب بالتقارير الأمنية وشراء الولاء للإدارة والأمن بالمساكن والبدلات والحوافز (!!). الإضراب غير المسبوق منذ أكثر من عشرين عاما قدم دليلا على نفى بوار وجفاف التربة العمالية المصرية مع يقين بخصوبة قادمة . أحد أهم منجزات تجربة اضرابات المحلة الكبرى هو ميلاد جيل قيادى يواصل مسيرة الآباء المؤسسين لتيار المقاومة بالشركة ( أبوسكينة ومحمد أبوالإسعاد وعلى مدكور ...وغيرهم،) . هذا المشهد يتضافر مع صحوة عمالية تتصاعد بعشرات الشركات والمصانع وفى صور وأشكال شتى . روح جديدة ترفض الخضوع لطوفان وإجراءات الخصخصة وتبديد أصول ومقدرات هذه الأمة وتملك الوعى بطرائق المقاومة ونقاط الاشتباك مع صلف الإدارة واستغلال رأس المال وطغيان مؤسسة الملكية . المراكز الراصدة لمتغيرات الشأن العمالى تؤكد زيادة الاحتجاجات العمالية بنسبة قدرها 25%خلال الفترة من يونيو 2005 وحتى مايو 2006 وبنسبة قدرها 35% حتى ديسمبر الحالى ومقارنة بذات المدة فى العام الماضى . فقد بلغ حجم تلك الاحتجاجات نحو 250 حالة بين إضراب واعتصام وتظاهر فى حين أن عددها بالعام الفائت كان 198حالة ( حسب إحصائيات مركز الأرض لحقوق الإنسان ). ما عجل من وتيرة الغضب العمالى هو التراجع المستمر عن وعود الإصلاح ورفع مستويات الأجور و الإصرار على خطط البيع والتصفية والتمكين للعلاقات الرأسمالية وآليات السوقية . ثمة خصائص وسمات حملتها التحركات العمالية الأخيرة والتى بلغت ذروتها فى أحداث المحلة الكبرى - يمكن إبراز عناصرها الرئيسية فى النقاط التالية- :
1- الامتداد الجغرافى واسع النطاق حيث شملت التجمعات العمالية التقليدية حلوان وشبرا الخيمة والإسكندرية إلى جانب المراكز الصناعية الجديدة العاشر من رمضان و6 أكتوبر وغيرها . تعدد المواقع العمالية المنتفضة يدحض ادعاءات النظام حول غياب الآثار السلبية لسياساته وتوجهاته الاقتصادية ويكشف عن استمرار تدنى مستويات الدخول فى المناطق الصناعية المستحدثة . مع ملاحظة أن توطن وتمركز العمالة فى تلك المدن الجديدة ( وهى عمالة تمتاز بارتفاع حسها الثقافى والطبقى ) يدفع نحو تفاعلها ووحدة رؤيتها وموقفها حول القضايا المشتركة.
2- استحواذ عمال قطاع الأعمال العام على النصيب الأوفر من تلك الاحتجاجات مقارنة بعمال القطاع الخاص الأمر الذى يطرح تساؤلات عن مدى مرونة وفاعلية الدولة وإدارات قطاع الأعمال فى إجراء الحوارات والمفاوضات وقدرتها على تلبية مطالبهم وكشريك حكومى أساسى فى فض المنازعات.
3- تبلور التمايزات الأفقية داخل ( الطبقة العاملة ) على نحو غير مسبوق والتى ساهمت فى تعميقها سياسات التشغيل بالشركات والمصانع الاستثمارية والمشاريع الخاصة - حيث عمدت هذه الأخيرة إلى توظيف عمالة بسمات خاصة ( إجادة اللغات الأجنبية - علوم الحاسوب - .. ) مقابل أجور عالية ومزايا عينية ومن ثم ازدادت حدة التفاوتات بينها وبين القاسم الأعظم من تلك الطبقة العتيدة .
4- بروز ( الفعل التلقائى ) كأداة سخط وغضب ضد النظام وسياساته وفى مواجهة سلبية ( اللجان النقابية الفرعية والتنظيم النقابى العام ) الذى يستمر مأزقه وموقفه الذيلى التابع للسلطة . فبقدر عجز القواعد النقابية عن ممارسة ضغط حقيقى وفاعل على النظام والإعلان صراحة عن انحيازه للمطالب العمالية - بقدر ما ينجح العمال أنفسهم فى ثنايا وتضاعيف التجمعات والمصانع والشركات من انتزاع جانب عريض من حقوقهم وإجبار الإدارات على التسليم بها.
5- ان الاحتجاجات العمالية تجاوزت طابعها الموسمى والمناسبات الاجتماعية التى كانت لصيقة بها ( الأعياد - دخول المدارس - شهر رمضان -.. ) . وحيث تناثرت فى توقيتات مختلفة ومحطات متنوعة دون سابق إنذار. اختفاء ( دورية الاحتجاجات ) يؤشر إلى منحى رفض إنصاف الحلول وكبداية صحيحة لتحرير المجال العمالى المعاصر دوما بهاجس الخوف من تفعيل الاعتصامات والتظاهرات.
سلاح الإضراب الذى يتم توظيفه الآن بشكل جيد من جانب العمال - يدعم الفرضية القائلة بأنه كلما ضاقت القنوات الشرعية بالتعبير عن المطالب العمالية أو كانت واجهة مشوهة لها كلما أحسنت قواعد العمال استخدام وسائل ( نضالها الخاص ) فى مواجهة الدولة والتنظيم النقابى المستأنس وضد إرادتيهما . ان الاعتداد بتلك الصورة النضالية والعمل على متابعتها والدعاية لها بين صفوف الحركة العمالية والجماهيرية الناهضة هو فرض عين على القوى الوطنية المهتمة بتوعية العمال بحقوقهم الاجتماعية وموقفهم الطبقى . وإذا كانت (القضية الاقتصادية ) هى محور النضال العمالى ومركزه فى حين تحتل ( القضية السياسية والدستورية ) رأس قائمة تحديدات قوى التغيير وجوهر نضالها الديمقراطى فى الظرف التاريخى الراهن فإن اليسار المصرى - يظل القوة الوحيدة القادرة على مراعاة وعقد هذا التوازن الدقيق بين ( الضرورة السياسية والحاجة الاقتصادية ) وفى معادلة تربط بين مفردات الطلب الإصلاحى العام ومعطيات الطلب العمالى الخاص. من رحم مصر الجديدة الحرة والأدبية تولد حركة عمالية مغايرة وبخصائص متمايزة تحوى إيمانا بمنابت القوة الأصلية للطبقة العاملة المصرية وحلم انعتاقها الاجتماعى الأكبر .
.
.
الاربعاء, 20 فبراير, 2008
أضف تعليقا
اضيف في 01 مارس, 2008 04:13 م , من قبل amany315
من مصر
من مصر

المقال جميل ،و أود فقط أن ألفت الأنتباه إلى أن الجميع في مركب واحدة سواء العمال أم الطلاب أم حتى العاطلين عن العمل ، لذا لابد أن تتوحد الجهود.
و ما تتبعه حكومة الوطنى هي سياسة "فرق تسد" فتضحك على موظفي الضرائب بمليمين و على المدرسين بكادر خاص لا يساوي شىء .. و تسكت كل معارض سواء بالجزرة أو بالعصا.
أشكرك على مرورك بإبحار ، و لك أطيب تحياتي. أماني
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.














من مصر
ألم أقل لك يا صديقي يبدو أنني سأبيت الليلة في بيتك هذا الذي يحمل من الدرر الكثير واستمر يا صديقي في الكتابة ولا يحبطك عدم وجود الزوار والمعلقين لأن التيارات التافهة تشد أغلبهم لكنهم يوما ما سيستفيقون
الطبقة العاملة وأنا أتتبع حركاتها قامت من غفوتها ولكن اليسار المصري من المفترض أن يسبق الجماهير بخطوة ولكن جماهير العمال سبقت اليسار المصري بخطوات فبدأ يركز عليها وعلى قضاياها في الفترة السابقة ولكن للأسف يا صديقي فاليسار المصري بأحزابه المختلفة قد أصابها العفن من داخلها وأصبحت مثل مقرات الحزب الوطني في ممارساته للديموقراطية الداخلية وإن كان هناك أحزابا سرية فأعتقد أنها تسير بنفس الآلية القديمة التي كانت تسير عليها سابقا بل أصبح الأمر عند بعض قياداته محض سبوبات
ستفرز الطبقة العاملة خميس والبقري مرة أخرى لأنني لا أراهن الآن على اليسار المصري بل على حركة العمال التي ستطور حتى من النظريات الأصولية والسلفية داخل الماركسية نفسها ولكن هذا سيستغرق وقتا طويلا أو قد يتم بسرعة فائقة هذا لا أستطيع تحديده الآن
لكن الأمل معقود على تلك الطبقة في تنقية اليسار مما علق به من أمراض الطبقة المتوسطة وتنقية طبقتها وتحديد من سيكون في خندقها أو من يعاديها