آلية الدفاع ورد الفعل المعتمدة من الجماعة الثقافية لمواجهة الاتهامات بازدراء الدين وإنكار ثوابته والمعلوم منه بالضرورة تستوجب وقفة للمراجعة والتصحيح فى جانبها القانونى.
قبل التعديل الإجرائى الخاص بخصومة الحسبة بادر البعض إلى تحرير وإقامة الدعاوى القضائية بطلب تأثيم وتكفير مفكرين وأدباء ومصادرة مؤلفاتهم وإبداعاتهم. وساير اتجاه قضائى محدود منحى اغتيال حرية التعبير عبر أحكام تتصل حيثياتها بالوصاية والرقابة على الضمائر وتقييم المفردات الاعتقادية والإيمانية ( الكاتب د. نصر حامد أبو زيد مثالاً ) . ممارسة الجدل حول ثنائية الكفر - الإيمان فى المحراب القضائى وبإجراءات السجال القانونى ولد شكوكاً حول نطاق الحماية والحصانة القانونية والقضائية لحقوق وحريات الرأى والتعبير فى بلادنا - وتسلل وعى سلبى بشأن القاعدة القانونية وباعتبارها أداة لتكريس سلطة القمع ووسيلة بيد المتطرفين للبطش المادى والرمزى برموز معارضيهم. التقاعد عن بيان ( الطابع الاستثنائى ) لتلك السوابق القضائية والمحاماتية ومراتب الكفر والإيمان التى صاغتها التصورات عن قصور الدور الحقوقى والحرياتى لدولة القانون الوضعية.
فهذه الممارسات شكلت نكوصاً على تاريخ المسيرة الليبرالية للجماعة القانونية المصرية وقيم الحداثة التى أنجزتها فى هذا السياق بعيداً عن مركزها اللاتينى 0 فالقانون منوط به حسم النزاع حول المراكز الموضوعية التى تتصارع فى دوائر مجال القانون العام والخاص وليس المحاججة والتنقيب عن مكنون إيمان المفكر وحقيقة معتقده وتدينه .
ثمة حاجة لإحياء خلايا الثقة بدولة القانون والتعريف بالضوابط والمعايير المتصلة بمشروعية استعمال الحق فى البلاغ والشكوى المنصوص عليها فى صدر ومقدمة التشريع المصرى. إذ يجرى نص المادة الخامسة من التقنين المدنى على أنه يكون استعمال الحق غير مشروع فى الأحوال الأتية 1- إذا لم يقصد به سوى الاضرار بالغير 2- إذا كانت المصالح التى يرمى إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها 3- إذا كانت المصالح التى يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة . ومفاد النص السابق وعلى نحو ما يبين من المذكرة الايضاحية للقانون المدنى أن المشرع المصرى قد استلهم قواعد استعمال الحقوق من مباديء الشريعة الإسلامية ذاتها - التى تقوم على أنه ( لا ضرر ولا ضرار وأن درء المفاسد سابق على جلب المنافع وأن الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف ) - فجعل لنص المادة الخامسة موقع الصدارة فى التقنيين المدنى ليهيمن على ما عداه من نصوص هذا القانون بفروعه وصفوفه المختلفة . إذ لا يكفى أن يلتزم صاحب الحق أو مصدره بالحدود الموضوعية له بل عليه فضلاً عن ذلك أن يستعمل حقه فى غاية تحقيق مصلحة مشروعة . فكل الحقوق مهما تنوعت أو اتسعت مقيدة بشرط يرد عليها كافة هو : - ألا يتعسف صاحب الحق فى استخدامه فيستهدف به غاية لا يقره القانون عليها أو يلحق بغيره ضرراً لا يتناسب إطلاقاً مع ما يدعيه من مصلحة . ولهذا أعطى المشرع للقاضى سلطة تقديرية واسعة ليمكنه بها من دفع الضرر وعدم الافتئات على الحقوق والحريات وذلك بمنع صاحب الحق ابتداء من استعمال حقه على نحو يلحق ضرراً لا مبرر له مراعياً فى ذلك خصوصية كل حالة وظروفها وملابساتها حيث يختار القاضى الحل الأقرب للعدالة والمناسب لكل منازعة . تلك رخص تشريعية يتعين حضورها واستعادة يقظة واطمئنان المفكرين والمبدعين بها وكأحد أهم وسائل دفاعهم لردع دعاوى التكفيريين وإجهاض نظام الحسبة.
وهناك تراث قضائى مديد أرست دعائمه المحكمة العليا فى العديد من أحكامها وتطبيقاتها المستقرة بشأن أحقية الجبر بالتعويض والحبس فى البلاغ الكاذب عند ثبوت إساءة الحق فى التقاضى والتعسف فى استخدامه لرد الخصومة.
عدم الاعتداد بالقواعد السابقة كان خطيئة الدكتورة/ نوال السعداوى، فعندما قضت المحكمة برفض دعوى الردة والتفريق بينها وبين زوجها الدكتور/ شريف حتاتة فى مايو 2000 لم تنهض إلى مطاردة المزايدين على عقيدتها وأفكارها وترتيب عناصر المسئولية التقصيرية فى حقهم وبإثبات أوجه الضرر المعنوى والمادى التى لحقت بها جراء إساءة استعمال الحق فى مواجهتها . سلوك المهادنة هو ما شجع هؤلاء على معاودة الإبلاغ فى ديسمبر 2006 وبنفس معطيات الواقعة الأولى وعبرالإجراءات المستحدثة لدعوى الحسبة !!.
يبدو أن حرية الرأى والاعتقاد أصبحت جريمة وإعلان التوبة - على طريقة د. سيد القمنى - يبدو أنها ملاذ الكتاب والمفكرين الأخير وطالما ظل القانون قوة معطلة فى مواجهة الأوصياء على الضمائر والإبداعات والنصوص !!.
وعد الدكتورة/ نوال السعداوى بالعودة إلى الديار المصرية والمثول أمام المحاكمة يجب أن يرفده استعادة لزمام المبادرة والمبادأة وحصار هؤلاء بالنزال القانونى الهجومى القادر على دحر بلاغات التكفير ودعاوى الحسبة وكخطوة ضرورية حاسمة ينال بها المبدع و( بقوة القاعدة القانونية ) المنعة والحصانة فى مواجهة محررى شهادات الكفر والإيمان ! .
![]()
![]()
ا
.
.
الثلاثاء, 19 فبراير, 2008
أضف تعليقا
اضيف في 27 فبراير, 2008 05:13 م , من قبل badd
من مصر
من مصر

قد تكون نوال السعدوي قد سبقت عصرها بكثير مما زاد من رفض أفكارهاوليست نوال السعداوي هي بؤرة الحديث لكن المهم من ذلك تلك الظاهرة العامة من تكفير المفكرين وتقييد أفكارهم باستخدام ترسنة من القوانين تعرقل عملية الإبداع والتطور في مجتمعاتنا العربية وكأننا خلقنا لنكون متبعين لامبدعين وبالتالي سنظل تابعين للهيمنة الصهيو أمريكية لأننا تعودنا التبعية ولابد للمثقفين والمفكرين المصريين أن يغزو الفضائيات لينددوا بهذا القهر السلطوي الذي تدفع بهذه التيارات الأصولية لقتل عملية الإبداع عند مفكرينا المحدثين وأنا أحد تلامذة نصر حامد أبي زيد وتلامذة سيد القمني ولي الشرف بذلك لقد عرفتهما وتحاورت معهما في جلسات خاصة إلى متى سنظل أمة تتخبط في جهلها
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.














من مصر
اخى العزيز عماد
مع احترامى لرأيك، الا اننى اتحفظ على كثير من افكار نوال السعداوى، فهى تصطدم كثيرا بالاعراف والقيم والدين، ولقد استهزأت بفريضة الحج ذات مرة وقالت انها شريعة وثنية
وقالت انها مع الشذوذ الجنسى لو تمت ممارسته بموافقة الطرفين