سند تلك الآراء أن المعايير والأقسية الشرعية الخاصة بالولاية تمتد لتشمل " نقابة المحامين " وباعتبارها هيئة ذات شخصية أعتبارية تزاول بعض خصائص السلطة العامة , وتضطلع بتنظيم المهنة , وتباشر مدى التزام المحامين بمبادئها وآدابها .
ثمة حاجة للتأكيد على أننا أزاء عرض لخطاب يعمد الى تحوير التنافس الدهري الى المجال العقيدى , ويعكس محاولة أعادة أنتاج مفهوم " عقد الذمة التاريخى " وتسويغه كسند مرجعى فى مجال العلاقة بين المسلمين والأقباط داخل مجتمع القانون.
جوهر تناقض هذا الخطاب أنه يفتقر الى تصور متجانس للعلاقة بين الدين والسياسة مؤسس فقهيآ على مفهوم قضية السلطة السياسية فى الاسلام ( أى : الإسلام كنظام دولة وليس كعقيدة ) , وعلاقة ذلك بالوظيفة العامة التى تستوجب ( أولآ ) أحترام ومرعاة معايير الكفاءة والتجويد .
فضلآ عن أن أقرارات هذا الخطاب تؤشر الى واحدة من أهم ركائز العقل السلفى وتكييفاته الدينية وهى التزام تكرار وحرفية نقل النصوص - التى تنتج بمعزل عن النظام العملى لفقه المصالح وعن تطورات الواقع الاجتماعى والاقتصادى والسياسى .
فأحكام وشروط الولاية فى الاسلام هى مفاهيم أنتهت دوافعها ومبرراتها التاريخية بميلاد مبدأ المواطنة ودولة القانون الحديث التى تروم المساواة الحقوقية الكاملة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم .
حضور هذا الخطاب فى نقابة المحامين تقف ورائه أسباب يمكن تلخيصها فى النقاط التالية :
1- تصاعد نفوذ التيار الدينى , وتأثر شرائح من الأجيال الشابة والوسيطة للمحامين بالأفكار الكتابية والسماعية لأصوليات هذا التيار , وحيث تشكلت لديهم أدراكات بشأن المجتمع والقانون تدور حول جحد المعاصرة وأنكار دولة القانون الوضعى .
شيوع تلك الأفكار وأنحسار وتراجع المد الليبرالى التنويرى وسط جماعة المحامين ساهم عضويآ فى تكريس الأبعاد الطائفية بينهم , ومنح شرعية لأعمال معيار ( الغير الدينى ) فى مواجهة الأقباط منهم .
سوابق وممارسات التيار الدينى تكشف عن حقيقة ذلك , ففى أنتخابات العام 2005 أطلق المرشحون الأخوان على أنفسهم تعبير " لجنة الشريعة الاسلامية " , وبهدف التمايز عن باقى المرشحين وأعلان التنصل من الطابع الوضعى /العلمانى لمجتمع القانون .
ثم عمدوا الى توظيف الرمز الدينى فى دعاياتهم الإنتخابية , وتصدرت قائمتهم صورة
" المصحف والسيف " و بدلالة عددية حملت معنى " العشرة المبشرين " , وتحت آية " تعالوا الى كلمة سواء " وهو نداء موجه بحسب الأصل الى ( أهل الكتاب ) .
كما أرسلوا بالبريد الالكترونى و الهواتف الجوالة رسائل تحذيرية الى المحامين بعبارات ( صوتك أمانة ستسأل عنه يوم القيامة ) و( أمنح صوتك لأصحاب الأيادى المتوضأة من لجنة الشريعة الاسلامية ) .
واللافت أن تلك الأنشطة ( وتنظيم لجنة الشريعة الإسلامية ) دعما – وبشكل مباشر - أنشطارات وعى المحامين بين تطبيق قواعد القانون والقضاء الوضعى من ناحية , ووجوب إحترام الشريعة الإسلامية ونظامها المعيارى من ناحية آخرى .
وهوالأمر الذى ولد آثارآ سلبية عديدة وكرس منحى الطائفية الدينية بنقابة المحامين - وليس أدل على ذلك من أعلان المحامى ممدوح رمزى و عدد من المحامين الأقباط عن البدء فى تأسيس ( لجنة للشريعة المسيحية ) – تنهض للتعريف والترويج لمبادىء الشريعة المسيحية بين المحامين !! .
2- تقاعد الجماعة القبطية عن تجديد شرعية ريادتها وتأثيرها ضمن الحركة القانونية النقابية ومشروع بناء دولة القانون والدستور الحديث فى بلادنا .
فالثابت تاريخيآ أن الأقباط ( وقد أصبحوا قضاة منذ العام 1880 ) هم أصحاب الفضل فى
وضع أول لائحة نظامية للمحاماة فى العام 1897 , وتكوين " بارو / جسم " نقابى لها بمكتب الاستاذ ( مرقص فهمى أفندى ) الذى عين أول سكرتير للجنة المحامين المصريين , وبعضوية نقولا بك توما وسادويدس أفندى ميخائيل وداود بك عامون .. وغيرهم .
ثم تأكدت النشأة الأولى لنقابة المحامين فى عهد سعد زغلول باشا ( وزير نظارة الحقانية )
وبجهود عدد من الحقوقين الاقباط النابهين حتى صدور القانون 26 لسنة 1912 الخاص بتنظيم المحاماة أمام المحاكم الأهلية أسوة بالمحاكم المختلطة .
وخلال تلك الفترة تقلد الأقباط منصب نقيب المحامين ( مرقص حنا وفكرى مكرم عبيد باشا )
ومثلوا قوة رئيسية ضمن فعاليات العمل السياسى والبرلمانى بحزب الوفد والحركة الوطنية الناهضة لطرد الاحتلال وتحقيق الاستقلال .
وكنسق فرعى من ظاهرة الأنسحاب والتراجع القبطى العام عن حياة السياسة والمجتمع فى بلادنا - فقد أصاب الوهن مشاركتهم الفاعلة على الصعيد القانونى والنقابى المحاماتى وبما شجع البعض للجور على هذا الدور ومحاولة تجاوز رصيده وتجربته التاريخية الباهرة .
3- سياسات تهميش الجماعة القبطية من جانب الدولة وصفوات الحاكم والتى أدخلتهم دائرة ( الأقلوية الدينية ) , وحيث يتم أقصاء وحرمان عناصر قبطية جادة وموهوبة من أحقية تولى بعض الوظائف العامة والعسكرية والسيادية , مرورآ بتأكيد الطابع الشكلى للتمثيل القبطى فى الوزارات ومجلسى الشعب والشورى , وأنتهاءآ بترحيل هموم وأولويات الأقباط الى مساحات الظل والغياب السياسى والأعلامى والتربوى .
دعوات أستبعاد الأقباط ترشيحآ وأنتخابآ فى نقابة المحاميين هى دالة فى تلك الممارسات التميزية والتى تمثل حافزآ للتعامل معهم بصفتهم مصريين من الدرجة الثانية , وليس بسند من مواطنتهم فى أطار الدولة والأمة الواحدة .
دعاوى حجب الولاية عن الاقباط فى مجتمع القانون – والتى تزكيها الدوافع السابقة - تستلزم اليقظة , وبما تنطوى عليه من خطورة الإستنساخ والتوزيع بين فئات وشبكات أجتماعية متنوعة .
فمثل تلك التخريجات الدينية تمس عصب الموحدات القومية للأمة وتعصف بأوليات فكرة المواطنة , وبما يستوجب أستنفار قوى التنوير والدفاع عن الدولة المدنية لمواجهتها , وعلى نحو صارم وبمسئولية وحزم.
أجهاض أطروحات التفاضل بين الأقباط والمسلمين يبدأ من نفي مفهوم الرابطة الدينية كأساس للعلاقة الرعوية بين الدولة والمواطنين , وأستبدالها بعقد أجتماعى يؤسس لسلطة ومرجعية ( المواطنة ودولة القانون ) التى تصون التعددية وتحترم المساواة وتقدس حقوق الانسان .
وبدون أحياء الالتزامات القانونية والأخلاقية الرافدة لهذا العقد فأن الروابط الأولية ونزعاتها الطائفية والمذهبية والعرقية والمناطقية – وعلى نحو ما يحدث الآن بنقابة المحامين - ستظل مرشحة للسيطرة والصعود ومعها الوداع الأخير لمصر ( الدولة والأمة ) الحديثة التى عرفناها مننذ أكثر من قرن من الزمان ! .
أضف تعليقا
من مصر

السيد الأستاذ/ عماد
صاحب مدونة / ورشة الأحد
" تحية طيبة" وبعد..
اعتذر عن الخروج من موضوع التدوينة، ولكنني ليس لدي أي وسيلة لمراسلتك فلم تشر لبريدكم الإلكتروني عبر المدونة أو أي وسيلة اتصال أخرى، أرجو من سيادتك مراسلتي عبر بريدي الإلكتروني shimoo_771@yahoo.com توضح فيها بريدك الإلكتروني واسم المدونة حتى يمكنني مراسلتك ذلك لأنه وقع الاختيار على مدونتكم كأحد مفردات العينة المختارة من مجتمع المدونات المصرية والتي أسعى لجمع بيانات ومعلومات عنها واللازمة لرسالتي المسجلة بقسم المكتبات والمعلومات والوثائق، كلية الآداب، جامعة القاهرة تحت عنوان "المدونات المصرية على الشبكة العنكبوتية العالمية مصدراُ للمعلومات: دراسة تحليلية " من إعدادي "شيماء إسماعيل عباس" وتحت إشراف الأستاذة الدكتورة "يسرية عبد الحليم زايد" أستاذ المكتبات والمعلومات بالقسم.
أرجو الاهتمام والرد سريعا ومراسلتي لمعرفة مدي موافقتك أم لا على الإجابة عن استمارة استقصاء البيانات – استبيان- عن المدونات المصرية.
تحياتي وتقديري
شيماء إسماعيل
باحث ماجستير- كلية الآداب جامعة القاهرة.
من مصر

السيد الأستاذ/ عماد
صاحب مدونة / ورشة الأحد
" تحية طيبة" وبعد..
اعتذر عن الخروج من موضوع التدوينة، لكنني أرسلت لك رسالة عبر البريد الإلكتروني تتعلق باستمارة استقصاء بيانات عن المدونات المصرية.
أرجو الاهتمام والرد سريعا بالإيجاب أو السلب.
تحياتي وتقديري
شيماء إسماعيل
باحث ماجستير- كلية الآداب جامعة القاهرة.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














الاخ والرفيق الرائع عماد لا ادري حقاالى اين يريد هؤلاء ان يوصلونا كل شعوب الارض تجاوزت هذه الامور واصبحت الاديان تتعايش فيما بينها تحت مسمى واحد وسقف واحد هو المواطنة ولا شيء غير المواطنة والولاء للعلم وهؤلاء مازالوا يصرون على العودة الى القرون الوسطى!