ففى واحدة من تجليات كارثة البشر المجانى الضائع حملت الملفات المتتالية لجريدة " البديل " عن تلك الظاهرة صدمة جديدة للوعي العام بشأن الأغتيال المادى لكيان الانسان المصرى – و بعد محاولات تخريب روحه و تحطيمه السياسى والمعنوى .
جديد المشهد هو تمدد المراذ الطوعى والقسرى المفتوح لبيع وسرقة أعضاء المصريين والسمسرة فيها , عبر زمر وعصب تنشط فى عشوائيات الفقر وثنايا مجتمعات العوز والحاجة لاصطياد الأطفال والشباب وحيازة أعضائهم " كبضاعة وقطع غيار بشرى " وعرضها للاستهلاك على الأثرياء والمترفين العرب .
ثمة عوامل دفعت بشكل مباشرة نحو انتعاش سوق مبادلات الأعضاء البشرية فى مصر وتحولها الى أسعار وقيم نقدية خاضعة لآليات العرض والطلب السعرى .
فالثابت أن هناك " بنية تحتية متخصصة " من مستشفيات ومعامل وكوادر طبية و فنية وادارية تبلورت فى الواقع وبهدف إمتهان ومزاولة هذا النشاط الاقتصادى وتبادل سلعه وخدماته ! .
نفى الطابع الفردى عن فعاليات و ممارسات وقرارات هذا النشاط خلق ( سوقآ حقيقة ) على الأرض يتسم باطراد حجم التعاملات وبتزويد المشاركين فيه بالمعلومات المطلوبة وبالاثمان المعروضة , فضلآ عن حرية أنتقال الطالب للحصول على ( السلعة ) من المصدر ! .
المنظمون وفى اطار تعظيم الوفورات وجنى مزيد من الأرباح أستهدفوا شرائح من فئة ( أطفال الشوارع ) - وكقوة عرض زهيدة الثمن تمتاز بالجودة والكفاءة من الناحية الطبية وبضعف الوعى بخطورة الايزاء البدنى والجراحى الواقع عليهم ودفعه من جانب آخر .
فشل الدولة المصرية فى عمليات الضبط الاقتصادى والاجتماعى وفى أداء وظائفها وقصورالتشريعات الناظمة لاجراءات زراعة الأعضاء فتح الطريق أمام أستكمال شروط وقواعد هذا السوق , وتمركزه كالأقتصاد ( غير الرسمى ) فى مناطق جغرافية محددة .
هذا القطاع وجد نفسه أمام معطيات طلب عابر للحدود يتدثر فى ثوب سياحى / خليجى, فضلآ عن طلب مواز من بعض الدول الغربية يتقدم للسيطرة على فرص هذا الفائض واستنزافه و تطوير بعض أشكال هندسة الوراثة و مشروع الجينوم البشرى .
المرتبة الثالثة عالميآ التى تحتلها مصر الآن ضمن قائمة الدول الموردة للأعضاء هى حصاد الجهد المنظم لأباطرة ومافيا هذا النشاط والتى دفعت باستمرار نحو أرتفاع منحنيات العرض المصرى داخل خريطة السوق الدولى لتجارة الأعضاء .
مرونة العرض المصرى تبرهن على حساسية كميات " الأعضاء البشرية" المعروضة منه للتغيرات المرتبطة بالثمن , والتى جاءت كأثر لتوافر مستلزمات وعوامل الانتاج / البشرى ,وتوظيف البيئة الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لنقلها وتفاعلها.
المافيا المحلية لتجارة الأعضاء أدركت حقيقة تلك المتغيرات , وأن عمليات شراء الأعضاء
( والجديد هو أدخارها لحين الحاجة اليها ) أضحت ضمن ضرورات وأوهام البقاء الأبدى التى تطبع سلوك بعض الشرائح العليا للمصريين ووجهاء السلطة وشيوخ وأمراء النفط .
ثمة رد وتحرك حكومى واجب على ما جاء بتحقيقات " البديل " - ذلك أن سياسة الصمت وغلق الملفات التى مردت عليها الدولة الدولة - والتى تدخل فى صميم عقيدة الأمن السياسى والجنائى العام - لن تصمد أمام تصاعد فوضى وأنفلات هذا " السوق النخاسى " الذى ينذر بتحول البلاد لساحات حرب وخطف وقتل على خلفية سعار هذه التجارة .
يكفى أنعاش الذاكرة بسيناريو ما حدث فى ( بنى مزار ) - فهو نسخة مازالت محجوبة عن الرأى العام فى أحد أهم فصولها التى تتصل بالفاعل الحقيقى , ومكان أختفاء أعضاء الضحايا , والمهارة الجراحية التى صاحبت استئصالها , والقافلة الطبية التى قامت باختبار عينات دماء القتلى قبل المذبحة بأسبوع كامل !! .
موضوع الاتجار فى الأعضاء البشرية لأطفال الشوارع هو نسق فرعى من ملف الطفولة المصرية وانعكاساتها الاجتماعية الخطيرة والمتتالية , ومن تجليات النظام السياسى و الطبقى الذى يدعم اختلالات الواقع وتناقضاته ويكرس دور البطولة المطلقة للفقر والبؤس فى حياتنا .
لا أمل فى دور منتظر لللتنظيمات الحكومية الديكورية والواجهات الإعلامية ( لحريم السلطة ) - على غرار المجلس القومى للطفولة والأمومة - التى تعرض أوهام المسرح الحقوقى للدولة والخطابات الجوفاء عن كفالة وحماية ورعاية الطفولة , - و دون أدنى مردود حقيقى على الأرض .
ثمة ضغط لازم من جانب النخب الحقوقية لسرعة أقرار قانون تنظيم عمليات نقل الاعضاء البشرية وبهدف ضبط فوضى الاتجار والسمسرة فى لحوم أطفال و فقراء مصر , ولاسيما بعد طفرات الصور المهنية والاحترافية التى تمارس من خلالها الجريمة , وأساليب التحريض والابتزاز والغواية الملابسة للشروع فيها .
هناك قوى وأصحاب مصالح ونفوذ ( اجتماعية و طبية وأقتصادية ) تقف وراء عدم اقرار مشروع هذا القانون - الذى تقدمت به نقابة الأطباء منذ العام 1996 – وهدفها االأخير وغير المعلن هو الربح النقدى والحيلولة دون " حصار ومصادرة " فرص تجديد حياة الأغنياء والمترفين من دماء ولحوم المحرومين و المستضعفين .
كما أن أن منظومة فتاوى و مفاهيم " البترواسلام " السائدة والمسيطرة تزكى هذا المنحى " دينيآ " - وتكفى الأشارة هنا لما ذكرته بعض الصحف الخليجية فى صيف العام الماضى عن بيع شباب عرب ومصريين فقراء " لكلاهم " فى مستشفيات دولة قطر وبحافز مباشر من فتوى دينية منسوبة لداعية فضائى معروف " وزعت عليهم " قبل أجراء العمليات الجراحية ! .
الادانة الأخلاقية والاعلامية لا يمكن أن تجب حتمية الحل القانونى والتشريعى , كما أن ( الطبى والاجتماعى ) يجب أن يسبق ( الدينى ) دائمآ عند نقاس وحساب نفقات مأساة " تسليع " الانسان المصرى وواقع اهدار وتبديد حرمة وجوده . !! .
" معصومية الانسان المصرى " وكفالة سلامة جسده وآدميته , هى فرض عين على الجميع - وعلى دولة القانون والدستور الحامية - فعلآ لا اسمآ - لكرامة وحياة مواطنيها.
أضف تعليقا
من مصر

تحياتى أخى عماد
على طرحك القيم الذى يناقش موضوع خطير يدق ناقوس الخطر الى الحال الذى وصلنا اليه وقتل هؤلاء الابرياء بالعوز والحاجة ويفتح باب خطير تنتهك فيه حرمات البشر ويعد جريمة من أبشع الجرائم التى ترتكب فى حق الانسانية لابد من ايجاد قوانين تحدد وتنظم هذه العملية ولكن الذى يجب أن يحكمنا الضمير الذى غاب على من يمارس هذه المجازر من الاباطرة والمفايا الذين يستحلون كل شيىء من اجل جنى الارباح وتسحق كل شيىء فى طريقها بعيدة عن اى انسانية ولا حقوق وحتى لو اصدرت القوانين يوجد من يتحايل على القوانين ويحاول جاهدا استغلال هذه الثغرات الموجودة فى صالحه
من المؤكد ان هناك قوى وأصحاب نفوذ اجتماعية وطبية تقف وراء عدم اقرار مشروع القانون الذى تقدمت به نقابة الاطباء منذ عام 96 الناس عاملين ال عليهم لازم نعطيهم فرصة اكبر من الوقت لان الفترة غير كافية لدراسة المشروع ونحن كاالعادة فى مصرنا لم نتحرك الا بعد وقوع كارثة ساعتها نتحرك ولكن ببطء ولمصلحة من فى ايديهم القرار والسلطة
لو قرأنا كل سطر من دفتر احوال الفقراء والمهمشين لوجدنا كل حرف كارثة تتكرر كل يوم وما خفى كان اعظم
الملفات كثيرة ولكن احيانا تطفو على السطح سطور منها
واتساءل ما الذى يحدث
لاشيىء غير اسناد كل شيىء للقضاء والقدر والتعتيم الذى لم يستطيع أحد الوصول الى نهايته
وانا لست مع الاخت امانى فى حظر التبرع لان دائما حاجتنا الى التبرع بالاعضاء لكى ننقذ حياة انسان لا بد ان تقنن ونضع ايدينا على القصور فى معظم القوانين والثغرات الموجودة فيه
وبانتظار حملة تدونية للتصدى لتك الجرائم فكرة رائعة تستحق الشكر
لم تعدالحما مصر هى الخوف والقهر
الكل فيها ضعيف بيموت عشان رغيف
====
حلم الغلابة ياعين رحل من سنين
ليلهم نهار حزين من الضحكة محرومين
الدمعة عارفة طريقهم مش راضية ابدا تسيبهم
وقادر على ال خالقهم يبدل ليل ====
يبدل ايه ولا ايه ربنا قادر على كل شيىء
تحياتى استاذنا على هذا المقال الانسانى الذى جعل القلب يبكى قبل العين على احوال الغلابة
تحياتى وتقديرى واجمل التحايا محملة بعبير الزهور على هذا القلم القدير والروح المحبة للخير والت تساند المهمشين والغلابة
صفاء داود
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من مصر
الصديق العزيز الأستاذ عماد
لا أدري إن كان سرقة الأعضاء البشرية يدخل ضمن منظومة الإتجار بالبشر- التى تعقد لمناقشتها المؤتمرات و الندوات ، بل و توزع شهادات التقدير و الجوائز- أم لا .
عموما أتجه أبناء الأبالسة من البشر لأطفال الشوارع فهم يعدون بيئه خصبة لتنامى هذه الجريمة لأنهم بلا ثمن ، و الربح كله سيصب في جيوب السماسرة ،و لا يوجد من يهتم بحال هؤلاء الضحايا.
لابد من المطالبة بأحكام رادعة على من تسول له نفسه بالإنخراط في تلك الجرائم ، أما عن القانون الذى قد يأمل البعض من وراءه الخير ، فبكل تأكيد سوف يدعم الإتجار في الأعضاء ، لابد من حظر هذه الجريمة لا تقنينها.
لك تحياتي و تقديري على إثارة هذا الموضوع الإنساني ، و بانتظار حملة صحفية تدوينية للتصدى لتلك الجرائم البشعة .