ورشة الأحد
ساحة للدفاع عن الفقراء والكادحين فى معركة الحياة.
.
.

جروح سيناء بين دولة القانون وسطوة العرف .

ما هو مستقبل سياسة استيعاب (القضاء العرفي ) في سياق تقاليد دولة القانون الوضعي الحديث ومواريثها وإنجازاتها التي تحققت في حياتنا منذ عهد محمد علي وحتي الآن؟.
ما يثير هذا التساؤل أن بعض الصحف تداولت خبر الإعلان عن وثيقة أصدرها مشايخ مدينة العريش بديوان " آل الفصلي"، أكدوا فيها ضرورة استعادة هيبة الأعراف البدوية، وأهمية حل المشاكل أمام القضاء العريشي وحده ودون تدخل من قبائل البادية، ثم وجهوا توصية بمنع السير في إجراءات التقاضي أمام المحاكم المدنية، واقترحوا بديلاً عن ذلك لجنة شرعية وأخري قانونية لمساعدة القضاة العرفيين في حل تلك المسائل!
تقاعد الجماعة الحقوقية المصرية عن نقد مثل هذه الوثائق وعن طلب مراجعة واقع الريادة المطلقة لسلطة القضاء العرفي في الفصل بين المراكز والمصالح القانونية المتناقصة علي أرض سيناء - دليل جديد علي تآكل الإيمان بدولة القانون الحديث في بلادنا.
فعلي سند من المعايير القبلية والجهوية - وبما يتوافق مع نمط بناء القوة التقليدي الصارم والمؤسس علي (وحدة الدم ) بين أطراف العائلات والعشائر - يجري الاحتكام لقانون القبيلة وقواعد العرف غير المكتوب لحسم الخصومات الجنائية والمدنية.
اضطراد العمل بمنظومات هذه الأعراف ووسائلها الفطرية علي هذه البقعة من أرض الوطن يعود، بحسب الأصل، لغريزة التقليد والمحاكاة التي تنتمي إلي رحم البيئة البدوية ومجتمعات ما قبل الدولة والأمة الحديثة.
وعي القبيلة وأقانيمها وأساطيرها هي روافع أساسية للاعتقاد بإلزامية هيكل هذا القضاء العرفي، وحيث يسود يقين ساحق بقدم ومثالية شكلياته ومقرراته، وأنه أكبر من إرادة وأدوات التشريع المدني، وأن مظلته العدالية هي صاحبة الفضل في مساحات التكامل الداخلي والسلام الاجتماعي بين السيناويين.
تقارير وزارة العدل الراصدة لحصاد النشاط القضائي بدوائر محاكم سيناء كاشفة عن ظاهرة عزوف وتراجع البدو عن تناول مادة القانون والقضاء الوضعي، ولصالح ارتفاع معدلات الاعتماد علي قوة وحجية القضاء والإجراءات العرفية.
ما يقف وراء ذلك هو شعور العدالة المفقودة وبطء إجراءات التقاضي واتساع فجوة عدم الثقة بين المواطنين وجهاز الدولة - فضلا عن أن الدولة المصرية ومؤسساتها تتجاهل في مناسبات عديدة احترام وتنفيذ أحكام القضاء الوضعي.
بل إن اللافت أن وزارة الداخلية المصرية تكفلت - في الفترة الأخيرة - بصيانة ورعاية دور مشايخ القبائل والقضاء العرفي، وضربت خياما خاصة لهذا الغرض بفناء مديرية أمن شمال سيناء، وقررت منح راتب شهري لهؤلاء القضاة العرفيين.
هذا المشهد يعد اعترافاً بفشل القانون العام، وتنازلاً من الدولة عن هيبتها وانتقالها من مقعد الحاكم إلي صفوف المتفرجين، وبما يدفع نحو عدم اعتداد المواطنين بالقنوات الرسمية المرتبطة بمؤسسة العدالة الوضعية ودولة القانون.
كما أن الإذعان لبدائيات القضاء العرفي يعود في جانب مؤثر منه إلي معطيات الواقع المثقل بتناقضاته الاجتماعية والطبقية، التي ساهمت بدورها في تبديد الوظائف الردعية لدولة القانون وفي تشجع أفكار القضاء الخاص وسلوكيات عدم التسامح.
ثمة حاجة للتأكيد علي أن استمرار العمل بأنظمة التحكيم العرفي لا يتوافق مع القيم الوضعية والأخلاق المدنية المعاصرة، ولا يتلاءم مع منهج وروح الأجيال السيناوية الشابة والصاعدة وشرعتها التي ترتبط بمفردات الحداثة ووسائطها الرمزية والإلكترونية.
كما أن الراصدين لفعاليات هذا القضاء يؤكدون ضعف مردوده العدالي، وعلي نقيض ما هو سائد فهو مجرد إعادة صياغة مستمرة للتوازنات والحساسيات بين نفوذ القبائل والعشائر الكبري، وسلطة حضور ومصدر إثراء لبعض أهم المحكمين والقائمين علي رعايته وإخراجه!
ناهيك عن أن غطاء وطقوس قضاء العرف يمنح أفراداً وعائلات بأعينهم فرصة التعامل والتفاوض مع أجهزة الدولة، وبما يسمح لهم بالحصول علي استثناءات وامتيازات خاصة (خارج دائرة القانون) وعلي حساب القاسم الأعظم من المواطنين.
ومع الاحترام الواجب لخصوصية وفرادة موزاييك الواقع السيناوي، فإن هناك حاجة للتذكير بأن تأسيس مصر الحديثة ارتبط عضوياً باستعارة وتمثيل مدونات النظم والهندسات الدستورية والقانونية، وكبديل عن القضاء الموروث المرتكز علي التقاليد والأعراف وتخريجات الفقه والشريعة.
كما أن العقل السياسي المصري المعاصر كان نتاجاً لمرحلة الوضعية القانونية بامتياز، وأن أقلمة وتمصير النصوص الغربية القانونية محلياً واستنساخ فنون صناعة التشريع كانت أحد أهم مداخل تطوير تجربتنا الدستورية والديمقراطية
.
درس تاريخ تطور النظم الاجتماعية والقانونية يؤكد حقيقة أن التوحيد السياسي لبلد ما هو دالة في عملية توحيد قواعدها القانونية، وأن الدول لا يمكن أن تستكمل وحدتها السياسية وتكاملها القومي إلا باستكمال وحدتها القانونية التشريعية.
قضاء العرف السائد والمسيطر علي الخريطة السيناوية يتعارض مع هدف تكريس الموحدات القومية لهذه الأمة، ومع مبدأ سيادة الدولة المصرية علي إقليمها، وأصوليات فرض تطبيق القانون الوطني - بصورة عامة ومجردة - علي الجميع.
جروح اللقاء بين الدولة المصرية وأبناء سيناء تبدأ من واقعة جحد وإنكار سلطان القانون الوضعي وغياب الإيمان بحتمية سيادة سطوته علي الجميع - وبما يكفل توفير الأمان وإشاعة الاطمئنان ومحاصرة فائض الغضب والاحتقان.
التمكين لدولة القانون في سيناء سيجبر (دولة القمع وجهازها الأمني البوليسي) علي مراجعة السياسات الطغيانية التي تمارس طليقة من شروط وضوابط القانون، وعلي الالتزام بواجب احترام حقوق الإنسان السيناوي وكرامته.
دمج وتسكين القبائل السيناوية في إطار ثقافة وتقاليد الدولة المصرية وداخل شبكة التفاعلات القانونية والاجتماعية والثقافية المشتركة بين أبناء هذا الوطن أصبح أمراً لازماً في ظل دراما الحدث السيناوي النازف والمتفجربشكل دائم.
رد الاعتبار لدولة العدل والقانون (الوضعي) والاحتماء بالتشريع والقضاء (العام) علي ربوع سيناء الغالية فرض عين علي مناصري حركة المواطنة والحقوق المدنية والديمقراطية في بلادنا، وكخطوة ضرورية ليخضع الكل - دولة ومحكومين - لعدالة القانون وليس سطوة العرف!

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 19 نوفمبر, 2008 04:00 م , من قبل amany315
من مصر

الصديق العزيز الأستاذ عماد
أقدر جدا فكرة المقال ، فالتطور الطبيعى للمجتمع في رؤية بعض المثقفين ينبغي أن يكون في اتجاه سيادة القانون الوضعى على حساب العرف .
لكن و من خلال دراستى المتواضعة للمجتمع لا أقف ضد العرف لأنه ببساطة جزء من المكون الثقافي للمجتمع ، و الحفاظ على الخصوصية و التفرد الثقافي لأى مجتمع ينبغى أن يكون متكاملا ، بمعنى أننا لا يمكن أن نفرض أنساقا ثقافية بديلة على البدو لا يرتضونها ، خاصة إن لم يكن بثقافتهم ما يضاد الفطرة الإنسانية فهم ليسوا من أكلة لحوم البشر ، أما عن تبادلهم إطلاق النار مع الشرطة ، فلا أظن أن الشرطة أبرياء ، لكن البدو ليسوا بضعف المدنيين في القرى و المدن المصرية الذين يجري التنكيل بهم و قتلهم من قبل عصابات الشرطة دون أن يكون لديهم القوة لمبادلة العنف بالعنف .
البدو يتطورون من خلال تفاعلهم الثقافي مع سكان الوادى ، و لا يمكن فرض القانون عليهم بالبارشوت .
أفهم جيدا هدفك من المقال ، لكننى أرجوك أن تضع نفسك مكانهم ، وتفكر كبدوى ، و بعدها تقرر .
لك تحياتي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.