المراجعات التى طرحها تيارى الجهاد والجماعة الأسلامية ستظل محور سجال ونقاش دائم وبهدف الوصول الى حقيقة أسهامها في تصحيح منهج التفكير السلفي و أثبات القيمة العقلية والعملية المضافة التى يمكن أن يقدمها لفقه وجمهور المسلمين فى هذا الشأن . الدكتور / إبراهيم البيومى غانم وفى مقال له " بجريدة البديل " ( عدد 6 أبريل الحالى ) - المنشور تحت عنوان " الفريضة الغائبة .. طبعة جديدة فى ظروف مختلفة " – تقدم صوب هذا التحليل وحيث شدد على أن الجهاد والجماعة الأسلامية لم يستفيدا من ردود وتفنيدات " الشيخ جاد الحق على جاد الحق والدكتور عبد المنعم عمارة " على أطروحة " الفريضة الغائبة " لعبد السلام فرج . وأن المراجعات المنسوبة اليهما بعد ذلك لم تصل الى مكمن " الخطأ الأساسى " فى تصورات الجماعتين وهو الغفلة شبه الكاملة عن " فريضة الحرية ", وأن تلك الفريضة لاتزال بعيدة عن وعيهما وأدراكهما حتى اليوم , وبالرغم من أن أبناء الجماعتين كانا أشد المتضررين من غيابها - قيمة الحرية يجب أن تحتل مكانة مركزية لكل مجهود فقهى وفكرى يسعى للإسهام فى توجيه الأجيال الجديدة توجيها أسلاميآ . مثل هذا التوصيف يفرض تساؤلآ مشروعآ حول حجم التغيير الجذرى الذى لحق بمفاهيم الجماعتين على خلفية تلك المراجعات , وأبعاد التحولات التى طرأت على أفكارهما وكمدخل لتقدير موقع الحرية وفريضتها الغائبة فى هذا السياق . فالقراءة الموضوعية لتلك المراجعات كاشفة عن أن تلك الجماعات الجهادية لم تتقدم خطوة مؤثرة نحو القطيعة مع المفاهيم الأساسية الناظمة لرؤيتها حول " حركة تاريخ وتطور المجتمع المسلم وجدل متغيراته " , وبشكل يمكن القول معه بتبلور رؤية جديدة لها - عن ذاتها و عن العالم من حولها . فالثابت أن تلك المراجعات قد تمسكت بفرضية أن انحلال الايمان وابتعاد المسلمين عن صراط الدين المستقيم لاتزال عملية مستمرة منذ وفاة الرسول وحتى اللحظة . وأنها ترى فيها ( صيرورة تاريخية ) تدفع دوما نحو تكريس ردة الأمة الاسلامية الى الجاهلية , وبما يستوجب أستنفار جماعة من المؤمنيين لمواجهة هذا المنحى وبدع ومستحدثات الواقع التى تدعمه . وأن هناك رسالة ومهمة ( تاريخية ) محجوزة لطائفة من المؤمنيين - عبر فترات الزمن - وبحيث تنهض بالدعوة وتقاتل من أجل تطهير المجتمع من مفاسد الكفر والتمكين لحكم وتكليف الشريعة , وكفرض عين جهادى وبهدف إعطاب تراجع الايمان العقدى لجماعة المسلمين ,وإيقاف مسيرة التدهورالتاريخى للأمة . كما أن تلك المراجعات لم تهجر موقف أثبات ظاهرة ( الخلافة ) والتحقق العيني لها -وباعتبارها نقطة بدء معيارية مطلقة يتم تحريرالحكم بقوة المسلمين علي سند منها . فهى ترى فى الخلافة مركز حركة التطور التاريخي للإسلام والمسلمين , وحيث يتحدد صلاح العباد والبلاد ومنعة الإسلام بمقدار الاقتراب منه , كما أن التاريخ الذهبي للمسلمين يمتد بعمرها منذ تأسيس الرسول لدولته بالمدينة وحتي سقوطها في الحرب العالمية الأولي . حركة المراجعات التى دشنت أكثر من ثلاثين كتابآ حتى الآن لم تتعرض لجوهر هذه التخريجات بالتعديل أو التقويم , بل تعتبرها ( ثوابت ومنجز ماضى ) يدعم حتمية الاعتداد بها وكمحور إشارة ثابت لتوجيه مستقبل الإسلام والمسلمين . فمثل تلك القراءات لا يمكن أن تسلم بتاريخية الخلافة وبمدي ملائمتها السياسية والحقوقية لحقائق ومتغيرات وأشكال نظم الحكم المعاصرة , وهى فى سبيل تجاوز بحث تلك ( التاريخية ) تتجاهل الأسباب الموضوعية لسقوطها وفترات تدهورها وانحطاطها وتقييم الأبنية والهياكل والمؤسسات التي كانت سائدة فيها والصراع بين ولاياتها وطبيعة سلطتها الزمنية والدينية.. وغيرها. أن مأزق منطق المراجعات الجهادى ومكمن خطأه الأساسى – ليس غياب " أطروحة الحرية " وأنما رفض الأعتراف " بالمعنى الجدلى للتاريخ " , وجحد قاعدة أن الفقه وفهم النصوص دالة فى تطورات وتناقضات واقع البشر الاجتماعى . فالفهم الجدلى لحركة المجتمع الذى يترجم صراع وتناقضات المصالح والأفكار والطبقات , والذى يضع الجماهير والكتل الأجتماعية فى مقدمة الفعل التاريخى هو " الفريضة الغائبة " فى وعى وأدراك المراجعات الجهادية .
ولاأمل فى استعارة تلك الذهنية الجهادية لمنظومات الحريات والحقوق و القيم الانسانوية الوضعية وتبنيها كنموذج تاريخى ومؤسسات فى المستقبل فهى تعتصم أبدآ بأولوية الفكرة والمثال , ثم تذهب لتحقيق ( الواقع ) والحكم عليه - وبمعزل عن قوانين ودورات الحركة التاريخية والاجتماعية . وليس أدل على خطأ هذا القياس - من حقيقة أن الممارسة الجهادية ذاتها ( على أرض الواقع ) وليست ( النصوص الدينية ) هى التى كشفت فشل خيار العنف والتغير بالقوة , وهى التى قدمت خيانة مستمرة لمغامرات تلك الجماعات وتأويلاتها الفقهية وحاستها ( اللآ تاريخية ) ! . واقع تخلف المسلمين عن ركب المدنية والتطور الحضارى هو ما يستوجب المراجعة الجادة والشاملة , وليست تلك المراجعات التى تقف بامتياز خارج دوائر الحداثة وروح العصر, و ترى حركة التاريخ والمجتمع عبر حرفية النص والحديث ومأثورات السلف ! .
.
.
الاحد, 09 نوفمبر, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.













من مصر
الصديق العزيز الأستاذ عماد
هناك بالفعل مشكلة تعاني منها الجماعات المتطرفة ، و أظن أن محاولتهم العودة بالمجتمع لصورة المجتمع في فترة الخلافة و ظنهم أن ذلك المجتمع هي الصورة المثلى التى ينبغى محاكتها ، فيها نوع من الجمود (و لن أقول التخلف) الفكري ، ففترة الخلافة التى انتهت بزوال الدولة العثمانية لم تكن قالبا واحدا ، فهي تختلف عن فترة حكم الراشدين ، و الأمويين ، و العباسيين ، الخلافة نفسها اختلفت في معناها ، فبعد أن كانت بالإنتخاب ، تحولت للشكل الملكى ، ولا يوجد في القرآن أو السنة ما يشير لتحديد نسق و نظام الحكم ، لكن به تأكيد على نظام الشورى ( الديموقراطية في شكلها الحديث ، و ليست ديموقراطية فلاسفة اليونان المتاحة للأحرار دون العبيد ، و للرجال دون النساء ) .. و أرى أن الجهل ، و سوء الحالة الإقتصادية هما سبب انتشار الفكر المتطرف بين بعض فئات المصريين ، و كذلك الإعلام المتخلف ، فالنور يطرد الظلام ، لكن مطاردة الناس بالسخافات و الرذيلة يدفعه للوقوع في فخاخ التطرف .
لك تحياتي و تقديري .