ثمة تحفظات يتعين رصدها بشأن تواتر أستخدام تلك الآلية " المؤسسة على فكرة الأدانة الأخلاقية لمن أساء لسمعة مصر فى الخارج " - يمكن ايجازها فى النقاط التالية : - أولا : أن المشرع وضع فى نطاق الحماية القانونية لموضوع " سمعة مصر" نصوصا عقابية لا تلتزم أصول الصياغة الاحترافية الواجبة فى مجال التجريم الجنائى . فالقاعدة هى التزام النص العقابى ببيان قاطع لماهية الركنيين المادى والمعنوى للجريمة , وكذا إحكام وحصر الصور والضوابط الكفيلة بتمام وقوعها أو الشروع فيها. غير أن الثابت أن " العنصر المادى " المكون للنشاط الاجرامى فى جريمة الاساءة لسمعة مصر يتسع فى التطبيق العملى ليشمل ويطال كل سلوك نقدى يتصل بأحوال الشأن المصرى العام - السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية !. كما أن " الركن المعنوى" للجريمة وجوهره علم الجانىبالفعل وأنصراف أرادته العمدية الى الأساءة بسمعة مصر يبدو موضعآ لتساؤلات جادة فى ضوء صريح نص المادة 86/ د عقوبات . فكيف ستتحقق سلطة التحقيق من كون الفعل يستهدف" قصدا جنائيا " فى وقت تتحدث المادة " وباطلاقات غير منضبطة " عن وقوع الجريمة حال " القيام بأشطة من شأنها التأثير فى سمعة البلاد " ؟! . فضلا عن أن النص يفتقر الى بيان المعيار الموضوعى لمفهوم" السمعة " - والتى ترتبط فى الأساس بصور وتراكمات ذهنية ومجازية تتداخل عوامل متعددة لتكوينها وأستقرارها . فهل المقصود فى تفسير النص السمعة " السياسية أم الاقتصادية أم الأجتماعية أم الأمنية أم الأخلاقية والأيدلوجية " ؟! , وهل المستهدف بالحماية هنا مصر " التاريخية أم الواقعية أم الأفتراضية " ؟!. وما هى" الجماعة " التى تملك أحقية الحديث بأسم " مصر وسمعتها " وعقاب من يسىء اليها ؟! . تساؤلات مشروعة تثورفى سياق هذا التنظيم العقابى , وتستلزم أجابات شافية لحماية مصالح المجتمع وحق المتهم فى صيانة حريته والدفاع عن نفسه . ثانيا :أنه لا يمكن أعمال ضابط الجريمة بالأساءة لسمعة مصر دون توافر شرطى ( الصفة والمصلحة ) وفى ضوء النص المستحدث للمادة ( 3 ) من تقنين المرافعات المدنية . فقد أضاف المشرع تعديلا لصلب تلك المادة مؤداه ألا تقبل أية دعوى من شخص ليست له مصلحة " شخصية ومباشرة " فى تحريكها . ووفق تلك القاعدة الجديدة فأن فالنائب العام هو صاحب الأختصاص الأصيل بمباشرة و موالاة دعوى " الأساءة لسمعة مصر " دون غيره . ومن ثم فأى فرد أو جماعة سياسية أو شريحة أجتماعية لا تملك سلطة الأدعاء بتمثيل مصر أو حماية سمعتها , و القول بغير ذلك يعنى بطريق اللزوم القانونى العودة الى نظام الحسبة الملغى والاعتداد بتنصيب البعض أنفسهم وكلاء عن المجتمع ورقباء على الضمير – وهو ما حدث فى واقع الأمر . ثالثا : أن تعبير ( الخارج ) فى تجريم فعل الأساءة لسمعة مصر يصطدم بالتحولات الهائلة فى وسائط الاتصال السيبرى والاعلامي . فالتوصيف النمطى " للخارج " المرهون بالجغرافيا والخرائط والذى ينتمى الى ميراث الدولة المركزية وسيطرتها على الميديا - أصبح فى ذمة التاريخ بعد الثورة التقنية وطفرات الانترنت والفضائيات والجيل الثالث للمحمول الذى سينقل الصوت والصورة معا. فالمحيط الكونى أصبح ساحة لممارسة الديمقراطية اللانهانية - و مفهوم " الفضاء العام " الذى هو نتاج ( المجتمع الرقمى ) يتجاوز الآن حدود الدول القومية ويخلق ظروف وآليات لنقد ممارساتها ومراقبة سلوكها فى مجال احترام حقوق الأنسان وحرياته . استمرارأحتماء فقهاء السلطة بالمفاهيم العتيدة للمحلية و القطرية والايحاء بوجود " رقيب داخلى " يرصد الاساءة " الخارجية " لسمعة مصر يتناقض مع المعطيات السابقة ومع أدعاء النظام أنه جزء من العولمة الدولية . ثمة حاجة لمراجعة " التكييف القانونى والواقعى لمصطلح سمعة مصر " فى ضوء تلك المتغيرات ,ذلك أن الصياغة الجنائية الغامضة والمبهمة للمفهوم تجعل كل أشكال المعارضة السلمية لسياسات النظام تندرج تحت عباءة ما يمكن أن يُعدَّ أساءة وتشهير وإجراما .ً كما أن هذا التحرك القمعى ( ذى الطابع الجنائى ) من جانب السلطة يسىء الى القانون وهيبته ودوره الاجتماعى . فالقانون أداة لتنظيم وحسم الصراع حول المراكز الموضوعية للافراد وليس سندا لتبرير النزعة الانتقامية من الخصوم السياسين ولعقاب النشطاء الحقوقيين الذين يواجهون النظام بأخطائه وسلبياته. تزايد صور الملاحقات القضائية للمعارضيين عبر آلية " الاساءة لسمعة مصر " دليل جديد على وهن العقل السياسى والقانونى المصرى , وأن الحكم القائم يستغل نصوص القانون الفضفاضة لتصفية حساباته مع المعارضة السياسية وكقوة ردع للجماعة الاصلاحية . محاولة الخلط بين ماهو " نقد سياسى واجتماعى " وبين ماهو " غير أخلاقى من تشويه وأساءة عمدية بمصر " يعكس فى النهاية هدف التعمية على التناقضات الطبقية والخلل الاجتماعى والعجز عن أشباع الحد الادنى من احتياجات أبناء الشعب الأساسية .
.
.
الاربعاء, 22 اكتوبر, 2008
عبر البريد الألكترونى وصلتنى رسالة رقيقة من الاستاذ الدكتور / سعد الدين أبراهيم - الناشط فى حركة الدفاع عن حقوق الأنسان والحريات فى مصر . هذا الأكاديمى البارز كان أستاذا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ومديرآ لمركز أبن خلدون للدراسات الأنمائية.
وكانت معارضته التى تلين لنظام حكم مبارك ومشروع توريث السلطة الى أبنه ( جمال ) سببآ لملاحقته قضائيآ وأعتقاله بتهم ملفقة وهى"الحصول على أموال من جهات أجنبية دون إذن حكومي" و"الأساءة لصورة مصر بالخارج " - الأمر الذى أدى الى رحليه للولايات المتحدة الأمريكية والعمل بجامعاتها كأستاذ محاضر فى علم الأجتماع السياسى .
الدكتور / سعد الدين أبراهيم - أعاد فى لفتة طيبة نشر مقتطفات من تلك الرسالة فى مقال له تحتعنوان " لاجىء زاده الخيال " بجريدة " الدستور الأسبوعية " واسعة الأنتشار- بعدد26 سبتمبر الماضى .
ما أثار دهشتى هو أهتمام هذا الداعية الحقوقى بمتابعة مفردات وتفاصيل عملية التطور السياسى والديموقراطى فى بلادنا وفى عالمنا العربى وعن كثب يثير الأحترام وبقدرة فائقة على الرصد والتحليل وأستشراف الواقع والمستقبل - ورغم كونه خارج الديار .
هذا الرجل يستحق واجب الشكر والتقدير لأنه لم يلق برسائلى ومقالتى المرسلة اليه فى " سلة المهملات المجاورة " ! - وأنما ظل محققآ لها ودافعا بالثناء على كل الأقلام اليسارية المصرية التى وقفت بجواره و فى طليعة الصفوف للدفاع عنه وعن قضايا حريات الرأى والتعبير .
موضوع " الأساءة لمصر والاضرار بسمعتها فى الخارج " عاد يطل برأسه من جديد كتهمة موجهة للدكتور / سعد الدين أبراهيم , وعبر جولة جديدة من جولات الصراع الذى يخوضه ضد " آل مبارك " .
فقد قضت محكمة جنح الخلفية الجزئية بحبسه سنتين مع الشغل وكفالة عشرة آلاف جنيه , بعد أن أدانته بتهمة " الاساءة لسمعة مصر " وعلى سند من تصريحات التمس فيها ربط منح المعونة الأمريكية لمصر بانجاز ديمقراطى على الأرض من جانب نظام مبارك .
الدكتور/ سعد الدين أبراهيم طعن على الحكم المذكور أمام محكمة الجنح المستأنفة - والتى قضت بدورها بتأجيل نظر الدعوى المستأنفة لجلسة 8 ديسمبر القادم .
فكرة " الأساءة لصورة وسمعة مصر " هى أحدث موضة فى سيناريوهات ملاحقة نظام مبارك للمعارضيين السياسين وعبر أدوات قضائية وقانونية ! .
فالواقع يؤكد أن الفوارق الطبقية و تصاعد معدلات الفقر واستمرارالطوارىء والفساد والبطالة والتعذيب والتخلف الذى يطال كافة جوانب حياتنا أكبر أساءة فعلية لسمعة مصر - الدولة والأمة معا .
هناك مقاييس مغايرة تبنى الأمم المتحضرة عليها مكانتها وسمعتها وتنتمى الى رفاهية الأفراد ودرجات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية – مقاييس يبدو أنها مازالت بعيدة عن عقل وسياسات ( وقانون ) الحكم القائم فى مصر ! .
- الدفاع عن الدكتور / سعد الدين أبراهيم فى القضية الجديدة المثارة ضده بالمحاكم المصرية -ورغم الأختلاف السياسى والعقائدى فيما بين مشروعه وبين مشروع وأولويات اليسار - هو دفاع عن رمز من رموز الدعوة الى الديمقراطية فى بلادنا وعالمنا العربى .. وبما يستوجب التنبيه والأثبات .
أضف تعليقا
اضيف في 26 اكتوبر, 2008 05:57 م , من قبل amany315
من مصر
من مصر

مقال ساحق ماحق
لا يمكنني أن أقول غير ذلك ، و أتفق معك في تصنيف النظام للتهم الفضفاضة للمعارضين ، مثل الإساءة لسمعة مصر ، حيث لا يوجد تعريف محدد لما يقصدونه بكلمة سمعة ، و لا تحديد لما يعد إساءة لتلك السمعة ، تماما مثل تهمة تعطيل الدستور ( يعنى مثلا وقفوا أمامه فعطلوه، أو خربوا فرامل الدستور مثلا )
لكن بعد ذلك سوف تتطور التهم لتصبح الإتجار في المخدرات ، و التزوير كما حدث لأيمن نور ، حتى تصبح التهمة جنائية و لا يمكن دفعها .. متهيأ لي لازم أسكت دلوقت لأن النت لها آذان ، بالضبط كما للديموقراطية المصرية أنياب ..تشاو.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.














من مصر
أحسنت والله ياعمدة
فهذا الرجل يستحق هذه الوقفة التضامنية منك ,وكما نوهت فقد تعرض الدكتور سعد لعسف واضطهاد النظام منذ ان تحرر المذكور من ارتباطاته بالنظام حيث كان يشغل منصب مستشارا للرئيس
والذي يبدو ان رصيده العلمي وتاريخه المبكر في مجال النضال السياسي لم يعيناه على تحمل مناخ التردي الذي اعترى الحياة السياسية منذ مطلع الثمانينات حيث ظهرت ملامح انعدام الحلم وشح الوعي بأبعاد القضايا الاسترتيجية والاجتماعيه على أداءات القيادة السياسية ناهيك عن حضور مرتبك خالي من الموهبة أو أي رصيد فكري أو ثقافي يسترشد به .فجاء اختلافه مع النظام سريعا ولأن النظام لم يجيد شيئا أكثر مما أجاد في أساليب القمع وتشويه معارضيه عن طريق جوقة النفاق الداعر الرخيص التي استجلبها النظام من أقبيةالمؤسسات الاعلامية ,وفي الاخير تتفق او تختلف مع الدكتور سعد لاتملك الا أن تحس باحتياجك لقلمه وسماع حديثه كواحد من أهم الفاضحين والمناهضين لهذا العفن والفساد الذي استفحل حد الكارثة , فضلا عن دوره في المجال الحقوقي و تنمية الديمقراطية بتأسيسه ورئاسته لمركز بن خلدون.
أحييك ياعمدة على هذا الموقف النبيل جدا .. وعلى فكرة واضح إنك محامي مرعب
وجهبذ بعرضك الشيق لبعض جوانب قصور وعيوب البنية التشريعية التي يحتال بها النظام لترهيب معاضيه
تحياتي
شاكر المصري