ثمة حاجة للتأكيد على أن عمليات تكوين ثقافة الاحتجاج الاجتماعى ستؤدى تدريجيا الى بروز وعى سياسى وطبقى مصاحب لها , كما أن تحولاتها ستثمر فى الأجل البعيد - بعد زخم من التراكم الكمى - عن متغيرات نوعية فى حياة السياسة والمجتمع العام . لقد عبرت حالة الحراك الشعبى وأغلب الأنشطة الاحتجاجية عن وقائع غضب وسخط ( أجتماعى ) وبمبادرات مستقلة لكتلة الفئات الفقيرة والمستضعفة التى عانت العوز و شظف الحياة جراء السياسات الاقتصادية للنخبة المسيطرة على الحكم . وحيث اتسمت الأسباب المتباينة لتلك الاحتجاجات بطابعها ( الاقتصادى - الاجتماعى ) وليس السياسى , فهى تنتمى فى جانب حاسم منها الى عجز تلك الفئات عن مواجهة أعباء الحياة المتزايدة , والى حقائق أختلال العدالة الاجتماعية وتناقضات البنية الطبقية. التحليل النوعى للفئات المنتفضة كاشف عن قيام ( العمال وصغار الموظفين ) بتنفيذ أكبر الاعتصامات وأطولها مدة زمنية وهو الأمر الذى يستلزم استشراف المؤثرات التى حكمت تصاعد وتائر فعلها الاحتجاجى ( أضرب المحلة الكبرى شمل نحو 27 ألف عامل فى سبتمبر 2007 , وأضراب موظفى الضرائب شمل حوالى 55 ألف موظف فى ديسمبر 2007) . فيما يتصل بالمواقع العمالية فالملاحظ أنها أظهرت ضروبا من المقاومة مع تنويع أساليب الحركة وبهدف تحقيق مطالب تتصل مفرداتها بتحسين شروط ( عرض وبيع قوة العمل ) و بعد التراجع فى قيمتها وعلى خلفية أتجاه زمرة الحكم الى تسريع برنامجها الاقتصادى . فمع أستمرارالتحول نحو آليات السوق وجهاز الأثمان تآكلت قيمة ( الأجور الحقيقية لقوة العمل ) وعانت أوجه من الانخفاض الحقيقى لم تستطع الصمود معه لمواجهة ارتفاع أسعار السلع والخدمات الضرورية . عمالة قطاع الأعمال العام كانت الاكثر حساسية لتلك المتغيرات فأستحوزت على النصيب الأكبر من تلك الاحتجاجات , لاسيما وأن سياسات التشغيل بالشركات والمصانع الخاصة والأستثمارية عمقت التفاوت والتمايز الأفقى بين عمالتها وتلك العمالة الحكومية العتيدة . تعدد بؤر الفورات العمالية دحض ادعاءات النظام حول غياب الآثار الاجتماعية لسياساته الاقتصادية , وأكد سلبية التنظيم النقابى وموقفه الذيلى التابع للسلطة , فبقدر عجز القواعد النقابية عن ممارسة ضغط حقيقى على النظام والإعلان عن الانحياز للحقوق العمالية - بقدر ما نجح العمال فى تنظيم أنفسهم بثنايا وتضاعيف التجمعات والمصانع و تمكنوا من إجبار الدولة و الإدارات على التسليم بجانب عريض من مطالبهم . وهكذا فالمنطق العام الذى حكم حركة الاحتجاج العمالى هو الاتجاه لمقاومة تدهور وارتباك أوضاعها الطبقية فى ظل تقلص الدورالاقتصادى للدولة , ويظل مستقبل تلك الحركة دالة فى نجاح المطالبات بتحسين هياكل الأجور والمرتبات وشروط بيع قوة العمل ومدى استجابة الحكم لذلك , ونضج وعي الحركة بحتمية السيطرة على تنظيماتها النقابية المستقلة والبعيدة عن البيروقراطية . وعلى الطرف الآخر قدمت صور ( الاحتجاج الوظيفى ) دلالات هامة داخل الحركة الاجتماعية أرتبطت بتصحيح وعى تلك الفئات الوسطى بقضية الأنتماء الطبفى لجهاز الدولة وحقائق الصراع الاجتماعى . فقد أدركت أن توجهات الدولة الاقتصادية ورحليها عن كفالة الحقوق الاجتماعية لغالبية المصريين سوف يأتى على ما تبقى من منظومة حقوق الموظفين المالية والادارية والقانونية , ومن ثم عدم توافق مصالحها مع الشكل الانتقالى الجديد للدولة المصرية وطبيعة تحالفاته الطبقية المغايرة . فمع الانحياز لمؤسسة الملكية الخاصة واستمرار التمكين لقواعد الانتاج الرأسمالية قدم النظام أشارات دالة على عدم أعتداده بأهمية الاستقرار الاجتماعى لاكثر من ستة ملايين موظف , مع أعتبار ( الوظيفة العامة ) عبء يتعين تهميش مظلة الرعاية الدولتية الرافدة لها. وفى وقت لم يعد عائد الوظيفة ضامنا للحد الأدنى من تلبية بعض الحاجات الأساسية - جاءت كافة التحليلات الراصدة لأحوال الموظفين العاملين بأجر ثابت ( عدا الوظائف العليا ) قاطعة باقترابهم من ( فقراء الدخل فى مصر ) وعجزهم عن أمتلاك فرص الغذاء والصحة والتعليم المناسبة . سوء توزيع وتوازن معدلات الأجور والمرتبات أضاف بعدا جديدا لهذه الوعى , وحيث تبين استئثار الشرائح العليا وكبار الموظفين بأكثر من 75 % من بند الاجور الثابتة بالموازنة العامة , فى حين يتحمل ( صغار ومتوسطى الموظفين ) وحدهم نفقة وتكلفة عملية التحول الاقتصادى والاجتماعى . هجرة الحلول الفردية الى صيغة العمل الجماعى السلمى و المنظم كان الوسيلة نحو أنتزاع بعض الحقوق المتعلقة بتحسين أوضاعهم الوظيفية , وعلى الرغم من كونهم شرائح اجتماعية محسوبة على جهاز الدولة , ويبرز نشاطهم باعتباره متفقا مع المصلحة السياسية للطبقة المهيمنة . تململات المواقع الوسطى الوظيفية رهن بالدور والوزن النسبى الذى تدخره نخبة الحكم لشرائح العاملين بجهازها وأشكال الحماية المتوقعة لهم , وكذا قدرة تلك الفئات على أن تحتفظ بجانب من مكانتها ونفوذها ضمن تحالف السلطة القادم . الرؤية الموضوعية للواقع الراهن والمستقبلي للحركة الاحتجاجية أنها تبقى حاملة لمطالب نوعية و فئوية تتحرك على أرضية أجتماعية و طبقية – وفى حدود لا ينبغى المبالغة فى تقديرآثرها ولكنها تنطوى على يقين بخصوبة قادمة يمس حياة السياسة والمجتمع فى بلادنا .
أضف تعليقا
من مصر

الزميلة الفاضلة أماني
من المجحف القول بأن الفشل كان من نصيب الحركات الاحتجاجية في السنوات الاخيرة بل العكس تماما بالنظر لطبيعة هذه الحركات ذات المطالب الفئوية المحدودة والتى حققت فيها انتصارات صريحة ضد الدولة (عمال امحلة وموظفي الضرائب)بل أن نتائج الانتخابات البرلمانيةالاخيرة في مرحلتها الاولى وسقوط الدولة الصريح ممثلة في الحزب الوطني كان انتصارا مدويا للجماهير بغض النظر عن اتجاه الحركة.
وما اتفق تماما معك فيه هو غياب القيادة السياسية الكارزمية التي يمكنهاالتواصل مع الجماهير وحشدها على أهداف ثورية تقدمية خصوصا أن الظرف الموضوعي مواتي أفضل من اي وقت مضى وهناك حالة مد فعلية يعكسها تعدد وتنوع وتصاعد هذه الاحتجاجات والضعف العام في آداء النظام الحاكم
وتبقى معضلة الظرف الذاتي المتمثل في ضعف الابداع والتنسيق والتفاعل وغياب التكتيكات والروح النضالية المخلصة داخل معظم فصائل اليسار وضعف الارتباط بالقواعد العمالية والفلاحية صاحبة المصلحة الاساسية في التغيير .
من مصر

عمدة
تحياتى مع حبى الذى تعرفه وتقديرى لشخصكم
هل نجحت السلطة فى أن تجعل الحركات الاحتجاجية تعمل بمنطق "القطعة" ؟
أعتقد هذا .. فأنا أنظر للخريطة فأجدها تزدحم بهذه الحركات المنطلقة أصلا من نفق ضيق هو المصلحة فى أن تعلن عن نفسها لصالح التيار المنتمية إليه ، ليس العمل من أجل هدف وطنى واحد ، هو المحرك للأسف الشديد ..
اعذرنى لهذا التعليق القصير ..
تقديرى واحترامى
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من مصر
الصديق العزيز الأستاذ عماد
المقال تحليل رائع لأسباب الإحتجاجات الفئوية ، لكن تلك الإحتجاجات لم تتبلور إلى ثورة حقيقية ، و لم تواكبها قيام قيادة سياسية توجهها ، مما أدى في النهاية إلى فشلها ، أو تحقيقها لنتائج هزيلة، مما يؤكد أهمية القيادة بغض النظر عن كم المحتجين .
لك تحياتي و تقديري.