قضية تورط رجل أعمال وسياسى بارز فى مقتل فنانة لبنانية تطرح دلالات يتعين الانتباه اليها بشأن حقيقة الوعي الطبقى والتاريخى للرأسمالية المصرية و الرهان على دورحاسم لها فى عملية التطور الاجتماعى فى بلادنا. دراما الأحداث التى تشغل الرأى العام تقدم صورة من محنة هذا الوعى وتدعم فرضية أن الوجود النوعى للرأسمالية الخاصة وفعالياتها على المسرح السياسى داخل التكوين الاجتماعى المصرى تقطع بأنها لم تصبح ( طبقة ) تحمل مشروعا وطنيا يرتكز على فكرة التطوير الرأسمالى . لقد كان اللافت للنظر فى الفترة الأخيرة أن الشرائح المعبرة عن رأس المال الكبير أستطاعت إحراز مواقع هامة فى المجتمع و الاقتصاد وداخل سلطة الدولة وأثرت على جانب من البنية القانونية والتشريعية - وبشكل أوحى بتبلوروجودها ودينامياتها ومصالحها الطبقية. وفى هذا السياق فأن نموذج حالة قوة ونفوذ ( مجموعة طلعت مصطفى ) الاقتصادى والسياسى وكأحد المواقع الخاصة فى سياق الرأسمالية الناهضة فى مجال أنشطة الاستثمار العقارى كان يؤكد مثل هذا التحليل - وبما يستوجب وقفة للنظر . فمنذ منتنصف السبعينات أدت عوامل مجتمعة الى جعل ( رأسمالية المقاولات ) أحدى الركائز الطبقية للسلطة السياسية الحاكمة فى مصر . فقد كانت من أكثر أقسام الرأسمالية أستعدادا واستجابة لمحاولات السلطة نحو تحفيز نمو مؤسسة الملكية الخاصة ( وبحكم التراكم الذى حققته فى نهاية الستينات ) . فضلا عن اعتماد سياسة الانفتاح ثم الخصخصة على قطاع المقاولات وذلك بهدف تنفيذ الهياكل المادية للاستثمارات الجديدة , ولتوفير بنية أساسية تواكب سرعة التحول الاقتصادى المطلوب . انخفاض حدة المنافسة واستقرار العرض الناتج عن الطلب الواسع على الاعمال العقارية أدى الى تجانس الشرائح العليا لرأسمالية المقاولات , و عن وجود نمط من التماسك والتحالف الشخصى غلب عليه طابع ( جماعات المصالح ) . الوفورات المالية الضخمة التى حققها هذا القطاع كانت حافزا لنزوح كبير من جانب ( الرأسمالية العقارية ) الي نطاق استثمارتها – ومن ثم وجدت ( رأسمالية المقاولات ) نفسها أمام مفترق طرق يتعين لمواجهته التزام سلوك ثلاثة مسارات : الأول : أن تتحول لمجال الاستثمار العقارى مستفيدة من قدرتها على تخفيض نفقة الانتاج , وأن تنتقل من مجرد شركات مقاولات الى مجموعة مالية كبيرة . والثانى : أن تسعى للاندماج مع رأس المال الاجنبى , وبهدف الاستفادة من مزايا التسهيلات الحكومية لهذه الاستثمارالوافد وما اتاحه توسع سوق المال من امكانيات تسهيل وانتقال الرأسمال ( الخليجى على وجه الخصوص ) للسوق المصرى . والثالث : ضرورة السيطرة على جماعات المصالح فى مجال الاستثمار العقارى , والعمل على توفير شبكة علاقات مع بعض كبار المسئوليين التنفيذين بالدولة وشرائح بيروقراطيتها العليا . مجموعة ( طلعت مصطفى القابضة ) تمثل تطبيقا فعليا لسيناريو هذا التحول ومساراته , وحيث استعادة ( شركة المقاولات ) التى أسسها الأب - بعد تجاوز المشكلات والمديونيات الى بلغت أكثر من900 مليون جنيه خلال التسعينات - العافية والقدرة على التوسع الرأسمالى . خريطة طريق المجموعة تحددت فى مجال ( الاستثمار العقارى ) ومن خلال الاندماج مع رأس المال الوهابى ( الوليد بن طلال ومجموعة بن لادن ) والسيطرة على جمعيات رجال الاعمال العقارية وأخيرا الواجهة السياسية والاجتماعية المؤثرة ( عضوية مجلسى الشعب والشورى ولجنة السياسات ) . غير أن الثروات التى هبطت على تلك الشريحة لم يرفدها نضج للوعى الأستثمارى الذى يفضى بالتوالى لتعظيم قدرتها الاقتصادية واستغلال الفرص المشروعة المتاحة لها والعمل على تكريس مزيد من المكانة الاقتصادية و الاجتماعية . لقد ظلت الممارسات الاجتماعية لتلك الفئة ( ومن واقع الرصد الموضوعى لها ) مطبوعة بتباينات وتناقضات ( رأسمالية المقاولات ) التى ترعرت فى كنف وعي وسلوك مصلحى ونمطى ذا بعد آنى / برجماتى - لم يتبلور أنتاجيا وسياسيا وطبقيا . فأشكال المخاطرة الانتاجية والسياسية التى تساعد على تطوير فنون وقوى الانتاج وتكون بعثا لنشأة المصالح الطبقية لم تكن على جدول أعمالهم , وأنما نشطوا فى عقد صلات مع عناصر قيادية من الاجهزة السياسية و الادارية ورأس المال المالى وبعض مراكز الشو الأعلام , وهى حلقات لم تفضى الا لتأسيس صيغة تحالف ( لرأسمالية المحاسيب ) ذات الوعى السلبى المزمن وغير القادر على أستيعاب دور وأهمية المنجز الرأسمالى . فى حين كرست الممارسة داخل صفوفهم وعيا بطريكا أختلطت فيه الخرافة بالمظهرية والميل الاستهلاكى بتبديد الفائض المتراكم مع النزوع نحو توظيف آليات غير مشروعة وعوضا عن التفكير فى امكانيات مستقبلية للتوسع والتطور التقنى والمعرفى . نحن ازاء أفراد أو زمر عائلية تتقدم فى صورة ( رأسماليين مشخصين ) تحركهم القرارات والأهواء والنزوات الفردية وغير المؤسسية , ولسنا بصدد ( طبقة ) تدرك تطوروجودها النوعى وتستطيع أن تدير صراعتها الطبقية وتبلورمصالحها الرأسمالية العليا. الحصاد المر لتاريخ البزنس المصرى و السلوكيات الرافدة له تؤكد أن هذه العناصر لم تتجاوز صراعاتها الداخلية وحلولها التلفيقية وآفاق تطلعاتها المحدودة الى فكرة الأسهام الحاسم لصالح التطور الاجتماعى العام . نموذج الرأسمالى / الاستعراضى والمتهتك السلوك والباحث عن أشباع رغباته الحسية المباشرة هو ترجمة للنشأة المبتسرة لهذا الشكل من تراكم الرأسمال الذى يفتقر الى المرتكزات الحقيقة و والى الزواجروالروادع الاخلاقية والاجتماعية . عيوب هيكلية فى تكوين القطاع الخاص المصرى الحديث , وفى الوعى الطبقى والتاريخى لقوى الرأسمالية الداعمة له – تكشف عنها تراجيديا ( سوزان تميم ) وفى حكاية جديدة من حكايات الفساد السياسى والمالى والمؤسسى فى بلادنا !! .
.
.
الجمعة, 17 اكتوبر, 2008
أضف تعليقا
اضيف في 19 اكتوبر, 2008 10:49 م , من قبل shakermasry
من مصر
من مصر

الرفيق عمدة
لايمكن توصيف الحالة الاقتصادية الانية في مصر بالرأسمالية وفقا للمفهوم العلمي والنظري والتطبيقي للنظم الرأسمالية الصريحة , فما يحدث هو حالة من التحلل العشوائي لكل القطاعات في الدولة بفعل الترهل وانعدام الرؤية والعجز التام لدى القيادة السياسية مما أتاح لمجموعات المصالح أن تسيطر على كل مقدرات الدولة الاقتصادية ومؤسساتها التشريعية والسياديةوالثقافية والاعلامية وتسخيرها لخدمة مصالحهم الخاصة فقط
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.














من مصر
الصديق العزيز الأستاذ عماد
أوافقك في كل ما ذكرت ، و لى إضافة بسيطة ، و هي أن تراكم رأس المال بهذا الكم الفاحش لا يمكن أن يكون نتاجا لعمليات مشروعة ، فالشبهات تحيط كيفية تكون هذه الثروات في مدد زمنية قصيرة جدا ، يتحول خلالها صاحب مصنع صغير إلى ملياردير ( و ليس مجرد مليونير) إلى جانب ما يستحوذ عليه من مناصب سياسية تمنحه الحصانة ضد المساءلة عن مصدر ثروته و حمايته من أي ملاحقات قانونية ، هذه المجموعة المعروفة هي التى تحكم البلد الآن و تسير إقتصادها لصالح مصالحهم الخاصة ، و ليس لصالح مصر أو شعبها.
لك تحياتي و تقديري