ما فائدة أنتخابات الأتحادات الطلابية أذا لم تكن مدخلآ لتجديد شرعية القيادة وأثبات حضور صفوة جديدة قادرة على تمثيل القواعد الطلابية و ترجمة مطالبها وتحريكها نحو المشاركة بايجابية فى قضايا الوطن والأمة ؟. ما يثير هذا التساؤل هو معطيات المشهد الأنتخابى القائم بالجامعات المصرية والذى يؤشر لاستمرار السياسة العمدية الساعية لتفريغ عمل تلك الأتحادات من مضمونه الحقيقى , وأقصاء الطلاب عن الأدارة الفعلية لشئونهم وعن نقاش وصياغة مفردات الشأن العام من حولهم . تأميم الدور الوطنى والنشاط السياسى للطلاب وحصار ومطاردة هذا العمل الفئوى يخدم بالنهاية مصالحة السلطة والتيار الدينى - ويتم عبر تدخل الأدارة بأدوات قانونية وقمعية وبهدف تكرس واقع الفراغ السياسى والفكرى السائد والمسيطرفى الفضاء الطلابى . قراءة سريعة للتعديلات التى ادخلتها الدولة على اللائحة التنفيذبة لقانون تنظيم الجامعات - كاشفة عن أهدار مقومات مبدأ أستقلال الحركة الطلابية وعن نفى خصوصية أنفراد الطلاب بادارة شئونهم و تحديد أولويات أعمالهم . ففى صلب تلك اللائحة جرى النص على عدم جواز أقامة أية أنشطة تعبر عن الرأى السياسى للطلاب مع حظر تشكيل الأسر والتجمعات الطلابية ذات السند العقائدى أو الحزبى , مع أشتراط الموافقة المسبقة لنائب رئيس الجامعة المختصة أو عميد الكلية عند دعوة رموز سياسية وثقافية للحديث والحوار مع الطلاب . " مجلس الأنشطة واللجان " - و الذى يمثل عصب العمل المؤسسى للجماعة الطلابية - جرى على أن تكون رئاسته ( لوكيل الكلية لشئون الطلاب ) وحيث سيتحكم أداريا فى بيان و توصيف تلك الأنشطة وبمشورة الأجهزة الأمنية والحرس الجامعى , فضلا عن حظر نشاط ( اللجنة السياسية ) التى تعبر عن الرأى العام الطلابى بشأن قضايا المجتمع والسياسة . اللائحة الجديدة أشترطت لصحة أجراء العملية الأنتخابية حضور 50% من المجمع الطلابى عند أجراءها ثم حضور 25% عند الأعادة , فأذا لم يكتمل نصاب الحسم الانتخابى يصدر عميد الكلية قرارآ ( غير مسبب ) بتعيين أعضاء مجلس أدارة الاتحاد ! – مع ملاحظة أن الانتخابات الطلابية كانت تجرى قبل العمل بلائحة 1979 دون شرط الألتزام بسقف معين لنصاب الحضور فيها . كما أن بنود اللائحة خلت من النص على أية ضمانات أو ضوابط كفيلة بحماية المرشحين المنتمين الى تيارات سياسة معارضة وضد أجراءات الشطب والأستبعاد التى تمارسها الجهات الأمنية والأدارية فى مواجهتم . وأخيرآ ضربت تلك اللائحة مواعيدا غامضة وغير مواتية لأتخاذ الأجراءات الانتخابية , والتى تم أستغلالها هذا العام من جانب الأدارة , حيث أعلنت عن فتح باب الترشبح لمدة يوم واحد فى الأسبوع الأول للعام الجامعى وعقب أجازة عيد الفطر – وقبل أن تتكامل و تتعارف قواعد العمل الطلابى وتتبلور طليعته المحركة والدافعة . أنفراد الحزب الحاكم ولجنة السياسات بصياغة هذه اللائحة و عدم أعتدادهما بمشروعات مغايرة قدمتها منظمات حقوقية وتيارات سياسية بشأن النشاط الطلابى - يأتى فى سياق تجاهل الدعوة الخاصة بضرورة إثراء العمل الشبابى وتوسيع نطاق مشاركتهم السياسية والمجتمعية وكبدليل عن أنصرافهم عن فعاليات المجال العام و شيوع ظواهر السلبية واللامبالة فيما بينهم و أستيلابهم فى تيارات العنف الأصولى . أحد أهم النتائج المترتبة على تطبيق تلك اللائحة يخلص فى أن تجريف وتبوير مناحى النشاط السياسى بالجامعات يعنى أستمرار سيطرة وحضور تيار الأسلام السياسى - وبما ولده من عوار وأعطاب - فى دوائر العمل الطلابى - . ففى ظل أجهاض الفعل السياسى المدنى ( اليسارى والليبرالى ) داخل أروقة الجامعات فأن الهدنة التى أعلنها التيار الدينى فى انتخابات هذا العام ستكون فرصة لاعادة ترتيب أوراقه وقواه - ولن تنال فى النهاية من هيمنته ونفوذه المؤثر على المشهد الطلابى . فعلى مدار ثلاثة عقود كاملة تمكنت روافد هذا التيارمن توظيف وتحويل ساحات ومدرجات ومدن الجامعات الى منابر موسمية لتجنيد الأتباع ولترويج الأفكار والتأويلات السلفية حول الدين والحياة . وعلى أرض العراء السياسى والمذهبى الجامعى تأثرت شرائح طلابية عديدة - وبأختلاف أصولها الاجتماعية والطبقية – بمفاهيمها الكتابية والشفهية وتخريجاتها الفقهية , وتشكلت عند قطاع واسع أدراكات تنتمى لذهنية الغلو والتشدد ورفض الحداثة والمعاصرة . وهكذا نشأت أجيال جامعية على أساليب التوجيه القائم على فكرة الأذعان وقواعد السمع والطاعة وتعليمات المرشد والأمير, فى وقت غابت فيه لغة النقد والحوار الجدلى البناء ومبادىء قبول الآخر الفكرى والثقافى فى قاعات الدرس والحرم الجامعى . وعلى نقيض ذلك كانت الصورة حتى مطلع السبعينيات - وحيث كان المجتمع الطلابى ذى الثقل الوطنى اليسارى قدوة فى ديموقراطية الأداء وفى طرائق الحركة الواعية وفن الأعتراض دون عنف أوقتال - ومثال رمزه الاكير المرحوم الدكتور / عبد الله رزه ليس ببعيد . كان مجتمع الطلبة نموذجآ للجيل الوطنى من طليعة شباب الأمة ومثقفيها ووعاءا جامعا له - ومحركآ أساسيآ لقوى اجتماعية عديدة نحو الارتباط بالقضايا والمطالب والهموم القومية . ولذلك ليس بغريب أن قادة الحركات الاحتجاجية الناهضة فى بلادنا , كانوا نخبة هذا المجتمع ونشطائه الذين تربوا على أدواته و خياله و قيمه ولغته السياسية الراقية والباهرة . جهود أنظمة الأستبداد فى نفى وأستبعاد هذا التيار السياسى هو ما أعاق أنتقال الخبرات والموروثات التى راكمتها تلك الحركة الطلابية فى ذروة نضجها الى الأجيال التالية من طلاب جامعات مصر . ثمة حاجة لانعاش الذاكرة بالمحطات والمواقف التاريخية الفارقة لهذا المجتمع فى سياقات التيار الوطنى وللتأكيد على حتمية أحياء الدور السياسى لطلاب مصر . كدور طلاب ومعاهد الطب والحقوق فى ثورة 1919 , ورعاية التحولات الثورية فى العهد الناصرى ومحو آثار هزيمة يونيو , ومشاركة الجناح العمالى فى حلوان فى قضية الطيران عام 1968 , ثم مظاهرات العام 1971 و1972 واحتجاجات 1973 لانهاء حالة اللاحرب واللاسلم , وانتفاضة الطعام فى يناير 1977 .. وغيرها . الأنتخابية الطلابية ومكوناتها وأختلالها تعكس ولاشك جانبا من عوار الخريطة السياسية المصرية - فهى نسق فرعى داخل أعطاب مظمومة الثقافة والمشاركة السياسية والأنتخابية العامة .
أضف تعليقا
من مصر

ومن غيرك أيها المثقف النبيل يستطيع تقديم مثل هذا العرض الرائع بما اشتمل عليه من تحليل دقيق للواقع والتاريخ والبيئة القانونية المرتبطة به ودور الجماعه الوطنية وفي القلب منها الحركة الطلابية في صياغة المشاريع الوطنية والنضال في سبيلها على عكس جماعات المصالح الانتهازية وفي طليعتها التيار الديني , وتحديدا الاخوان المسلمين
وحدث ولا حرج عن تلك الاساليب الرخيصة وطعنات الغدر الموجهه لظهر الفصائل الوطنية التي مارسها الاخوان منذ نشأة دعوتهم على يد مؤسسها حسن البنا وما أكثر مناواراته مع القصر والحكومة والانجليز لتحقيق مآربه التكتيكية والتنظيمية وتأييدهم لحركة يوليو ولما فشلوا في ادارة دفتها وتوجيه بوصلتها انقلبوا عليها ثم مرحلة الغزل مع السادات وشعارات دولة العلم والايمان ومشاركتهم في ضرب وتشويه التيارات الوطنية الاخرى خصوصا اليسار داخل وخارج الجامعه ثم انقلابهم عليه استنادا لاجندة انتهازية غير وطنية بتحريض وهابي خليجي فضلا عن دورهم التاريخي في تفريخ العناصر التي قامت بإغتياله في مطلع الثمانينات من القرن الماضي, وبالأمس القريب مارس الاخوان دورا آخر من ادوارهم الانتهازية الغادرة برفض هيئتهم البرلمانية الانضمام لمجموعة المستقلين في مجلس الشعب لاسقاط العضوية عن النائب ووزير الاسكان السايق محمد ابراهيم سليمان على خلفية غيابه وتقاعسه عن مساعدة أبناء دائرته بمنطقة الدويقة المنكوبة ., وقد جاءت أيضا تصريحات يوسف القرضاوي وهجومه الطائفي على المسلمين الشيعه كنوع من الغزل مع النظام الحاكم وتقاربا مع اتجاهاته المرتبطة بالسياسة الامريكية .
هناك الكثير من النقاط الهامة التى أجدت في عرضها وطرحها فشكرا على ماعلمتنا وأرغمتنا على التوقف أمام ماتكتب معظم الوقت .. يعني نبطل نكتب !!
تحياتي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من مصر
الصديق العزيز الأستاذ عماد
سيدى الفاضل إنك كمن يؤذن في مالطة ، فلا توجد ، بل و لن توجد في ظل حكومة الحزب الوطنى أي ممارسة ديموقراطية سواء داخل الجامعة أو خارجها ، الأنشطة الطلابية لابد أن لا تكون سياسية أو حزبية إلا ما هو تابع للحزب الوطنى ، بل أنه يوجد فرع للحزب داخل جامعة القاهرة تمثلة جمعية جمال مبارك ، و يوجد مقر للحزب لأصطياد الطلاب أمام مجمع نظري في شارع سوتر بالإسكندرية .....عندئذ تخرس ألسنة وزير التعليم العالي و رؤساء الجامعات عن ترديد عبارتهم الشهيرة بإبعاد السياسة عن الحياة الجامعية ولن يكون هناك صوتا أعلى من شلة المنتفعين التابعين لهذا الحزب داخل الجامعات غير المصرية ... الكلام كثير و كلنا نعرفه .. ألم ترى بنفسك الإنتخابات الطلابية و كيف تدار و أنت طالب ... هي تدار بنفس الطريقة حتى الآن