القضايا التي أثارها الدكتور/ صلاح الدين زين في مقاله بجريدة البديل عدد 25 ديسمبر الماضي حول الدولة الشمولية وموقع اليسار في سيناريوهات التغيير القادم أهم كثيرا من المحتوى التي قدمتها - الأمر الذي يستوجب إعادة التعريف بعدد من المفاهيم الأساسية الخاصة بالطبيعة الطبقية لجهاز الدولة المصرية وإشكالية التطور الديموقراطي في بلادنا 0 فالدكتور/ صلاح الدين زين يؤكد أن رهان اليسار على الاضطرابات العمالية والجماهيرية المتصاعدة - من خلال التنظير أوعبرمواقف عملية داعمة لها - هو رهان خاسر فالمطلب السياسي الذي يقف خلف تلك الاحتجاجات يتقدم في الإصرار على تعظيم بقاء الدولة الشمولية المعادية للحريات وهكذا فاليسار لا يقدر أبدا المعادل السياسي لنماذج أشكاله وحلوله الاقتصادية المقترحة كما أن دوافعه في هذا الصدد لا تخرج عن كونها محاولة للدفاع عن نفسه ولتجاوز حالة الجمود التي أصابته 0 الكاتب نوه أيضا إلى أن اليسار لم يحكم في الماضي وأغلب الظن أنه لن يحكم في المستقبل فقد كان اليسار مجرد ورقة ضغط أستخدمها عبد الناصر لتعميق دور الدولة وشموليتها الاقتصادية والسياسية وفق شروط حددتها مصالح دولته التي تلعب فيها طبقة البيروقراطية المصرية - كطبقة رأسية واضحة المصالح وكاملة التبلور - الدور الرئيسي وربما الوحيد 0 ثمة حقيقة يتعين الانتباه إليها بداية وتدور حول موقف اليسار من قضية الانتماء الطبقي لجهاز الدولة المصرية 0 فاليسار أدرك بحسه التاريخي وفي ضوء التجربة المصرية أن هذا الانتماء يمكن أن يلعب دورا حاسما ( مع أو ضد ) الطبقات الحائزة له - كما لا يمكن فهم الوظائف التي يؤديها جهاز الدولة إلا في إطار الدور السياسي الشامل له والذي يتلخص في هدف الحفاظ على النظام السياسي القائم منذ أكثرمن نصف قرن0 هذا الدور هو الذي يحقق وحدة التكوين الاجتماعي المنقسم إلي طبقات في بلادنا وحيث تكون السيطرة السياسية الطبقية هي التعبير المركز عن تناقضات مستوياته المختلفة - والتي تعكس في علاقة جدلية حقيقة الترابط بين وظائف الدولة وتعتبر في ذات الوقت مفتاحا لفهم هذا الترابط 0 كافة المواقف اليسارية الراصدة للطبيعة الطبقية الجديدة للدولة المصرية لم تهجر قواعد الفهم السابق - ولذلك فهي تؤشر دوما إلى أهمية الربط بين تغير المضمون الاجتماعي لوظيفة الدولة وبين الدور والوزن النسبي لشرائح العاملين بجهازها 0 وهنا تجب التفرقة بين الشرائح العليا للبيروقراطية المصرية والفئات الوسطي والصغرى من الموظفين فهؤلاء ليسوا أعضاء طبقة واحدة ( تضم من الوزير إلي الغفير ) - على حسب تعبير الدكتور/ صلاح الدين زين في أطروحته0 فالبيروقراطية هي فئات وشرائح اجتماعية نوعية لجهاز الدولة تمتاز باستقلالها النسبي عن الطبقات الحاكمة والطبقات التي تنتمي أليها ولا يمكن أن تشكل طبقة في ذاتها وعلاقتها بجهاز الدولة هومايدعم وحدتها وتماسكها ويبرز نشاطها باعتباره متفقا مع المصلحة السياسية للطبقة المهيمنة0 وحتى بداية التسعينات كان للبيروقراطية العليا قدرا واضحا من الهيمنة بفضل شبكة التحالفات التي نسجتها مع الشرائح الوسطى من الرأسمالية وعناصر الجناح الخارجي للرأسمالية التجارية فضلا عن سيطرتها على رأس المال المصرفي وروافدها المتميزة مع أغنياء الفلاحين في الريف 0 ومع تبلور وصعود عناصر من الشريحة الرأسمالية الكبيرة ورغبتها في تحقيق نوع من الحراك إلى جهاز الدولة في قمته والسيطرة على إدارة عمليات النظام واجهت البيروقراطية تحديات صعبة على قاعدة التحالف بين كبار موظفيها والشريحة البرجوازية والصفوة السياسية ( بجناحيها المدني والعسكري ) 0 وهنا قدمت تلك الشريحة البيروقراطية إسهامات مؤثرة عبر العديد من التغيرات التشريعية والقانونية لخدمة مصالحها الاقتصادية والطبقية في الأساس وبما يتوافق مع منحى وآليات التطور الرأسمالي الصاعد 0 ومع تقدم رأس المال الاحتكاري إلى سدة الحزب الحاكم ولجنة السياسات سعت عناصره بوضوح إلى إعادة هيكلة البيروقراطية العليا وتحييد نفوذها وبما يتناسب مع متطلبات وطموح هذا القسم من الرأسمالية المصرية 0 وهكذا فان اتجاه شرائح الرأسمالية الكبيرة نحو تنظيم حركتها السياسية وحاجت إلي جهاز تنفيذي أكثر ملاءمة لمصالحها دفع نحو استبعاد ملاك وكوادر البيروقراطية العتيدة الغير قادرة على التكيف والتي فشلت في ضبط إيقاع حركتها مع التوجهات الجديدة 0 وهنا حدث تفكيك نسبى لشبكات التحالف السابق التي شاركت فيه البيروقراطية البرجوازية كجناح طبقي أساسي سيطر وهيمن على جهاز الدولة المصرية قبل عقد التسعينات - وبان أن الرأسمالية الاحتكارية لن تضحى - هذه المرة - بمصالحها السياسية من أجل مصالحها الاقتصادية0 وعلى الطرف الآخرفان الشرائح الوسطى والدنيا من الفئات البيروقراطية وصلت إلي حالة من الوعي بعدم توافق مصالحها مع الشكل الانتقالي للدولة المصرية وطبيعة تحالفاته الطبقية المغايرة 0 الجديد هنا هو سلوك رفض ومقاومة تلك الفئات - المحسوبة على جهاز الدولة – المضاد لسياسات التمكين لأسلوب وعلاقات الإنتاج الرأسمالي وفى حدود الإطار العام لعملية الانتقال 0 تزكية اليسار لقوة الاحتجاج الوظيفي في هذا السياق مرده أن تلك الفورات الوظيفية تقدم دلالات إيجابية داخل الحركة الاجتماعية المصرية وتنطوى على بعث وتصحيح لوعى مواقع وسطى ودنيا طال غيابها عن المشاركة في حياة السياسة والمجتمع ببلادنا 0 كما أن تعدد المواقع المنتفضة يبرهن على استمرار الآثار السلبية لتوجهات الدولة الاقتصادية وانعكاساتها على واقع الاستقرار الاجتماعي فضلا تآكل فاعلية التنظيمات النقابية القائمة وهجرة الحلول الفردية البرجماتية إلي صيغة العمل الجماعي المنظم كوسيلة لاجبارالادارة والدولة على التسليم بالمطالب المشروعة 0 ومن ثم فان قاعدة قوة الدولة الشمولية القادمة ستكون على الأرجح من البرجوازية الكبيرة برأسماليتها الاحتكارية المدعومة بتأييد الجناح العسكري للنظام والمحكومة بمعايير محددة وفق التكوين الاجتماعي المصري - مع تراجع دور وسلطة ونفوذ طبقة البيروقراطية وعلى نقيض ما يذهب إليه الدكتور/ صلاح الدين زين 0 وهكذا فدفاع اليسارعن كفالة الدولة لبعض الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لسواد هذا الشعب هدفه تصحيح الوعى العام بمفردات القضية السابقة وبيان طبيعة الانتماء الطبقي لجهاز الدولة وحقائق ميدان الصراع الاجتماعي - وليس هدفه الإصرارعلى تعظيم دور الدولة بشكلها الشمولي- كما أشار الدكتور/ صلاح الدين زين في مقاله0 فالانحياز إلى الانتفاضات العمالية فرض عين وواجب على اليسار لأن رهانه الأصيل يتصل بمحورية دور الطبقة العاملة في عملية التغيير الاجتماعي وبأنها - بحكم موقعها ووعيها وعلاقاتها بوسائل الإنتاج المادي - تظل القوة الأساسية الدافعة للتحولات التاريخية الكبرى وصاحبة المصلحة الأخيرة في تحقيقها 0 وإذا كانت القضية الاقتصادية هي مركز النضال العمالي في حين تحتل القضية السياسية والدستورية رأس قائمة تحديات القوى الوطنية في هذه المرحلة - فان اليسار يظل القوة السياسية الوحيدة القادرة على عقد توازن بين ( الضرورة السياسية والحاجة الاقتصادية ) وفى معادلة تربط بين مفردات الطلب الإصلاحي العام ومعطيات الطلب العمالي الخاص0 أما تأكيد الدكتور/ صلاح الدين زين على أن اليسار لا يقرأ الواقع وأنه لامستقبل له داخل سيناريو التغيير في مصر فتدحضه عوامل دالة على أهمية دورالحركةالاشتراكية في المرحلة القادمة - تخلص في النقاط التالية :1 - أن القوى الاجتماعية الرئيسية التي يعتمد عليها اليسار لإحداث وقيادة التغيير قائمة أرض الواقع وهناك سياسات مقترحة لاحتواء التناقضات التي يمكن أن تنشأ بينها وبين القوى المضادة لها وبما يضمن تحقيق عملية التوازن وتحويل هذه الأخيرة إلي قوة اجتماعية مضافة ودافعة لهذا التحول التاريخي 2- أن الإصلاح الحقيقي المؤسس على فكرة التداول السلمي للسلطة لن يمرالاعبر كفالة أحقيقة قوى اليسارفى المشاركة الفاعلة في الحكم وادارة عمليات النظام 0 فالشروخ والإعطاب الأساسية التي مست منذ عقود البنيان السياسي المصري تنتمي إلى قواعد لعبة سياسية قائمة على تهميش دور اليسار في فضاء السياسة والحزبية والعمل العام وتلك القواعد صارت عاجزة عن إنتاج وتطوير هياكل ومؤسسات الدولة المصرية وتجاوز احتقاناتها المزمنة الأمرالذي يدعم حتمية حضور اليسار كطرف قادر على تقديم البدائل المناسبة 0 فاليسار رقم صعب في معادلة السياسة المصرية برصيد قوامه فائض من المزايا السياسية والفكرية والصياغات والحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتميزة لمفردات الأزمة الممتدة والمتفجرة في بلادنا 0 3 - أن اليسار يبقى أحد أهم مولدات نظام ( ما بعد مبارك ) فهو قطب رئيسي مشارك بفاعلية في الحراك السياسي والفكري والاجتماعي وفى طليعة مشهد التجمعات الشعبية الاحتجاجية الناهضة 0 كما ساهم منذ سنوات بأدوار لايمكن جحدها أو إنكارها في خلق المناخ الداعي للتغيير الشامل في حياتنا 0 فضلا عن أن أجيالا من رموز الحركة الوطنية المصرية تربت على المنتج الفكري اليساري وهناك حضور مستمر لشبكات من المفاهيم والأدوات المعرفية والتحليلية لهذا الفكر ومورثاته في كتابات وإبداعات عشرات الساسة والأكاديميين والإعلاميين المصريين0 فاليساريون عصب مؤثرو مركز دائرة في تاريخ تطورالافكار الحديثة والمجتمع وعنصر إثراء وحيوية لم ينقطع في حياة السياسة والثقافة والإعلام - شاء البعض أم آبي0 قد يكون صحيحا أن اليسار لم يكن مهيأ في مرحلة تاريخية لينهض بدور حاسم في قيادة الجماهير أما الآن فخريطة طريق اليسار تبدو واضحة المعالم - فقط وعى جماهيري جديد رافد له و لترجمة حلم انعتاقها الاجتماعي الأكبر إلي حقيقة على الأرض 0 عماد مسعد محمد السبع 0
.
.
الاحد, 27 يناير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.












