تقاعد الجماعة الحقوقية عن نقد وتفنيد الريادة المطلقة ( للقضاء العرفي ) في حسم الصراع حول المراكز والمصالح القانونية المتنازعة على أرض سيناء - دليل جديد على تآكل الإيمان بقيم دولة القانون الحديث في بلادنا 0 في تفاصيل الخبر الذي تداولته الصحف القاهرية أن ثلاثة محكمين عرفيين أنهوا الخلاف بين قبيلتي ( الترابين والفواخرية ) - وهو موضوع تحقيقات موسعة للنيابة العامة وصدرت بشأنه أحكاما بالحبس الاحتياطي - عبر ( حكم عرفي ) نطقوا به في ( خيمة بدوية ) تابعة لمديرية أمن شمال سيناء !!0 الجلسة العرفية استمرت أربع ساعات وانتهت بتغريم قبيلة ( الفواخرية ) بمبلغ وقدره ( ثلاثة مليون وربعمائه ألف جنيه ) عن وقائع إطلاق رصاص من أسلحة نارية وتخريب منشآت وترويع للمواطنين – في حين عبرت قبيلة ( الترابين ) عن ( الجود والكرم ) بالتنازل عن مبلغ ( مليون وسبعمائة ألف جنيه ) للمحافظ ومدير الأمن ومبلغ ( سبعمائة وخمسون ألف جنيه) للقضاة العرفيين !! 0 ثمة تساؤل يطرح نفسه بمناسبة هذا القضاء ويدور حول مستقبل سياسة استيعاب( القضاء العرفي ) في سياق التقاليد القانونية الوضعية للدولة المصرية ومواريث دولة القانون الحديث وإنجازاتها التي تحققت في حياتنا منذ عهد محمد على وحتى النصف الأول من القرن الفائت 0 فعلى سند من المعايير القبلية والجهوية يجرى الاحتكام إلي قواعد العرف ( غير المكتوب) المرتبطة بنمط بناء القوة التقليدي الصارم والمؤسس على ( وحدة الدم ) بين أطراف العائلات الممتدة والعشائر الكبيرة وكأساس للفصل في الخصومات الجنائية والمدنية 0 غريزة التقليد والمحاكاة هي الرافعة الأساسية لاستمراراضطراد العمل بمنظومات تلك الأعراف ومبادئها ووسائلها الفطرية التي تنتمي إلى رحم البيئات البدوية ومجتمعات ما قبل الدولة والامة الحديثة 0 وعى القبيلة وأقانيمها وأساطيرها الكبرى خلق اعتقادا بإلزامية هيكل القضاء العرفي وأن مظلته العدالية تقف وراء مساحات التكامل الداخلي بين السيناويين - مع يقين ساحق بأن كثير من المنازعات لم تظهر في مجتمعاتهم إلا بعد اللجوء إلي القضاء العادي 0 الاعتداد المجاني وغير المشروط بالنظام القضائي العرفي نشر في ربوع بادية سيناء إدراكا حول منعة ومثالية شكلياته ومقرراته - وانه أكبر من إرادة وأدوات التشريع الوطني - الدولتى 0 تقارير وزارة العدل الراصدة لحصاد العمل بدوائر محاكم سيناء كاشفة عن عزوف مستمرعن تناول مادة القانون والقضاء الوضعي في مقابل ارتفاع أسهم الإجراءات العرفية كأساليب معتمدة لحسم القضايا والخلافات 0 تبديد الوظائف الردعية والتنظيمية لقواعد القانون الوضعي في ظل العمل بالآليات العرفية شجع سلوكيات عدم التسامح وأفكار القضاء الخاص - فالدولة ليست المؤسسة الوحيدة التي من حقها إقامة العدالة واستخدام العنف 0 الواقع المثقل بتناقضاته الاجتماعية والطبقية ساهم بدوره في تزايد فجوة الثقة بين المواطنين وجهاز الدولة العدالى وعدم اكتراثهم بالقنوات القانونية الشرعية التي يستطيعون من خلالها استيداء حقوقهم 0 ففي مواجهة امتداد صحراوي شاسع يعانى أشكال الفقر والبؤس وشظف الحياة مع الافتقار إلي الحد الأدنى من الخدمات والمرافق الحيوية و أوجه الرعاية الاجتماعية - ينعم شريط ساحلي محدود بوفورات البنية التحتية السياحية وكامل الامتيازات والتسهيلات الحكومية 0 اختلالات توزيع مخصصات التنمية والثروة أنتجت بيئة اليأس والإحباط و التمرد بين أبناء الداخل ( الرملي الرعوي ) الساقط بهمومه ومشكلاته من حسابات الدولة وخارج اهتمامات الحكم وأجندات أعماله 0 ظاهرة الإذعان لبدائيات القضاء العرفي تنتمي إلى تناقضات هذا الواقع ولكنها ما عادت تتوافق مع القيم الوضعية والنقدية والأخلاق المدنية المعاصرة 0 فمنطق هذا القانون لم يعد ملائما قط لتطلعات وضوابط الأجيال الشابة القادرة على التعامل مع طفرة التطورات التقنية ومحاكاة أبنيتها وصورها المنقولة عبر فضاء الإنترنت ووسائل الاتصال الإلكتروني 0 المتابعون لجلسات هذا القضاء يؤكدون ضعف مردوده العدالى - فهو مجرد إعادة صياغة مستمرة للتوازنات والحساسيات بين نفوذ القبائل والعشائر الكبرى - واثراء بلا سبب لبعض أهم محكميه والقائمين على إخراجه 0 فضلا عن كون غطاء و طقوس ووازعات العرف تسمح لتيارات وعائلات من بين القبائل بالتعامل والتفاوض مع أجهزة الدولة المختلفة على سند منه وبهدف الحصول على استثناءات وامتيازات ذاتية ( خارج دائرة القانون ) - وعلى حساب مصالح القاسم الأعظم من المواطنيين0 إن درس تاريخ تطور النظم الاجتماعية والقانونية يؤكد دوما حقيقة أن التوحيد السياسي لبلد ما هو دالة في عملية توحيد وتصفيف قواعدها القانونية0 فالدول الحديثة لم تستكمل وحدتها السياسية وتكاملها القومي إلا باستكمال وحدتها القانونية - كما حدث في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ويحدث الآن بدول وسط أوربا 0 تأسيس مصر الحديثة أرتبط تاريخيا بعمليات استعارة وتمثيل النظم والهندسات القانونية والدستورية الوضعية كبديل عن القضاء التقليدي الذي كان مرتكزا على التقاليد والأعراف وتخريجات الفقه والشريعة 0 العقل السياسي المصري الحديث هونتاج لمرحلة الوضعية القانونية بامتياز- كما أن أقلمة وتمصير النصوص الغربية لموائمة واقعنا واستنساخ فنون صناعة التشريع الأوربي المكتوب في نطاق النظرية والتطبيق المحلى كانت أحد أهم المداخل لدعاوى الإصلاح السياسي والاجتماعي في بلادنا وتطوير تجربتنا الدستورية والديموقراطية 0 ثمة حاجة ماسة لاعادة دمج وتسكين القبائل السيناوية في إطار ثقافة وتقاليد الدولة والأمة المصرية الحديثة وداخل شبكة التفاعلات القانونية والاجتماعية والثقافية المشتركة في هذا الوطن الواحد 0 إلي متى يستمر الاعتداد بنظم وقضاء العرف غير المكتوب في سيناء ومبدأ سيادة الدولة على إقليمها رهن بهيمنة وتطبيق قانونها على جميع مواطنيها بصورة عامة مجردة ودون تفرقة أو تمييز لأي سبب من الأسباب ؟ وأين الخطابات الحقوقية التي تنادى بالتنمية القانونية في هذا الجزء من الوطن وبعد ربع قرن من عودته للسيادة المصرية ؟ 0 قوة ردع وزاجر القانون الوضعي هي الكفيلة وحدها بإشاعة الاطمئنان في النفوس ومحاصرة فائض مشاعر الغضب والسخط التي ترسم درما الواقع السيناوى الدامي والمتفجر بشكل درامى 0 رد الاعتبار لدولة القانون والاحتماء بالتشريع والقضاء الرسمي العام هي خطوات ضرورية وعاجلة على طريق إزالة دواعي الاحتقان المتصاعد ولاجبارالدولة على مراجعة سياساتها الأمنية وممارساتها الطغيانية واحترام حقوق وكرامة الإنسان السيناوى – الخاضع لعدالة القانون وليس سطوة العرف !! 0 عماد مسعد محمد السبع 0
.
.
الاحد, 27 يناير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.












