عمادمسعد السبع
.
.
الاحد, 27 يناير, 2008
أحكام القضاء المصري الأخيرة حول بعض الإشكاليات الحقوقية والعقائدية دليل جديد على أهمية دور الجماعة القانونية في بناء أفكار دولة المواطنة والحريات العامة .. في هذا السياق يتقدم قضاء دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا في الطعن الرقيم 3219 لسنة 48 قضائية ، وموضوعه مدى أحقية طالبة مسلمة في ارتداء زي النقاب والدخول به إلى ساحة مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة المحكمة حسمت بهذا القضاء تناقضا ماثلا بين الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية العليا عام 1999 بصحة قرار رئيس جامعة المنصورة في منع المنتقبات من الدخول إلى الحرم الجامعي وبين تسعة أحكام سابقة لذات المحكمة تجيز اختيار وارتداء النقاب كزي للمرأة المسلمة0 الحكم أسس قضائه على سند من أن المشرع الدستوري أقام سياجا من الحماية لنطاق الحقوق والحريات الشخصية وان ارتداء النقاب هو أحد مظاهر تلك الحرية ومن ثم لا يجوز لجهة الإدارة أو أية جهة أخري حظر ارتدائه مطلقا 0 ثم ضرب موازنة مفادها- حيث يترك للمرأة الحرية في التزيى بما شاءت من ثياب غير مقيدة في ذلك بضوابط الاحتشام فللمرأة المسلمة أن ترتدى أيضا ما تتحرى به المحافظة على وقارها- فطريق اللزوم المنطقي يوجب ألا تكون هناك تفرقة بين الطائفتين دون اصل مقرر لها في القانون أو الدستور0 المحكمة صاغت القاعدة الأساسية لحل تنازع المسألة المثارة في عبارات دالة - وعلى النحو التالي : ارتداء النقاب يدخل في دائرة المباح شرعا وقانونا - والحظر المطلق على ارتدائه غير جائز- ولكن مع جواز إلزام المرأة المنتقية بالكشف عن نقابها متى استلزمت الضرورة والمصلحة العامة التحقق من شخصيتها وفقا لمقتضيات الأمن العام أو لتلقى العلم أو الخدمات لمختلفة مع ثبوت الامتثال لفروض بعض الجهات ونطاق دائرة الأزياء التي تحددها لعناصرها - إن رغبت المنتقبة في الاندراج ضمن أفرادها والانضواء تحت لولائها .. جديد الحكم الرائد هو إعلاء سلطة واختصاص الجماعة الإلزامية في مواجهة الفرد و في مواجهة منحى تشريعي ينزع دوما إلي احترام سلطان أرادته ويوجب الاعتداد بحرياته وحقوقه الخاصة 0 وفق أسس موضعية أكد هذا القضاء أهمية تنظيم حقوق الأفراد في ارتداء ما يشاءون من ملابس و لكن عبر ضابط ( وجوب طاعة الجماعة ) واحترام قوة اجتماعها الإنساني وتكليفها الموجه إلى الفرد في صورة أمر أونهى0 ثمة حاجة للاهتداء بحيثيات الحكم السابق ونتائجه القانونية واستنساخها بهدف إيجاد حلول لوقائع تشترك مع موضوعه في ظروف ومعطيات الحالة ، النموذج المقدم هنا هو واقعة تمثيل خصوم الدعوى القضائية والوكالة عنهم ( بمحاميات منتقبات ) يضعن أغطية ومقانع سوداء على كامل الجسد بثقبين للعينين أثناء تداول الدعوى وإجراءات المرافعة والدفاع بقاعات المحاكم0الجدل حول حظر وإباحة ارتداء نقاب المحاميات المترافعات سيشتعل حتما في مجتمع القانون ومع انتشار الظاهرة وفى ظل الإقرار بولاية القضاء الجالس للنساء والتي يمكن أن يثير نقاب إحداهن عند نظر إحدى الدعاوى التباسا لا حدود له ، ما يشهد على أهمية هذا الطرح أن الأمر لا يتصل بمدى أحقية المنقبة في الدخول إلى المحلات العامة ودور العلم والمكتبات وغيرها- وانما يتعلق بحقوق الأفراد ومراكزهم القانونية والغايات الأساسية التي ينشط من أجلها الجهاز القضائي والعدالى في بلادنا0معيار مقتضيات ( النظام العام ) والمصالح الأساسية التي يقوم عليها كيان الجماعة - والتي اعتمدها قضاء المحكمة العليا لاستثناء الحق في حرية ارتداء النقاب تبدو متوافرة بصدد الدفع بعدم جواز النيابة عن أطراف الدعوى بمحامية منتقبة ، الدفع القانوني بعدم جواز حضور ومباشرة إجراءات المرافعة والدفاع أمام القضاء ( بوكيلة منتقبة ) يستوجب وقفة للعرض والتفسير وبما يسهم في استظهار النظام القانوني والإجرائي الذي يتعين أن يخضع له0 طبقا لتصنيف الفقه المعتمد في إطار( نظرية الدفوع) فان التكييف القانوني لهذا الدفع ينتمي إلى طائفة الوسائل الفرعية التي يلجأ أليها أطراف الخصومة لإنكارالسيرابتداءا في إجراءات الدعوى 0 في الاصطلاح المرافعاتى تعرف تلك الوسائط الدفاعية بالدفوع الشكلية المطلقة المتعلقة بالنظام العام والتي يمتنع الاتفاق على مخالفتها أو التنازل عنها وتقضى بها المحكمة من تلقاء نفسها0أصوليات قواعد المرافعات المدنية والمبادئ الحاكمة للاشتغال بمهنة المحاماة ومقتضيات الضرورة القانونية والواقعية في مجلس القضاء تمنح هذا الدفع شرعية القبول0 فالمبادئ الأساسية التي يقوم عليها عمل النظام القضائي المصري من علانية الجلسات وشفوية المرافعة وحرية النقاش وصيانة القاضي من عبث خصوم وغيرها لا يمكن أن تتسق مع مدونة النقاب ولوازمه 0 شفافية تحقيق الدعاوى وإجراءات المرافعة المقررة في سياسات التقاضي هدفها بث الحياة والحركة في إدارة العدالة وضمان حسن سيرها ووضوح وجلاء مقاصدها بعيدا عن مظاهر الخفاء وظلام السرية 0 أفكار تسييج وتحصين واستيعاب كامل البدن بالنقاب تحمل سمات دالة تتفق مع رؤى الأصوليين للزي الخاص بالمرأة المسلمة ولكنها تتناقض مع المرامي الحقوقية السابقة 0النقاب يبدو متسقا مع فكرية الجماعة المؤمنة به وحيث يجرى التعامل مع الجسد ( كخطيئة ) تستوجب ( نفى) تعبيراته لإثبات العفة الأخلاقية مع تأكيد فضيلة الصمت حيث عورة الصوت وتكريس لغة الغموض والتراجع حيث معصية السفور والمفاتن ، المنتقبة تدرك حيثية ذلك فهي تملك الوعي بالنقاب كنشاط اجتماعي نوعى مفاده رفض الحداثة و المعاصرة والصيغ الشرعية والقانونية المتداولة مع اعتبار الأخريات من النساء (الحاسرات) فاقدات لصحيح فهم الدين وصراطه المستقيم0 على الطرف الآخر- فان المحامية يجب أن تلتزم بالواجبات التي تفرضها عليها (جماعتها القانونية) ولوائح نقابتها وآدابها وتقاليدها وان تترسمها في سلوكها المهني والشخصي0 التزام ارتداء ( روب المحاماة ) واحد من تقاليد المهنة العتيدة التي تحفظ بالظلال وشائج روابطها التاريخية بمركزها اللاتيني وتختزل في بلاغة هيبة الحضور والجلال المحاماتى الأصيل في محراب العدالة،
(الروب ) مركب خاص مرصع بنجوم الدولة وشعارها يمتاز بزهد اللوازم بلا كلفة وبلون أسود كاحل يحرك الفضول البصري وبدون خمار يعيق الحركة المستقيمة ويحجب التطريز الصوتي 0موقع هذا الزي على خريطة الحياة القانونية يترجم محموله - فهو زي اختارته (جماعة المحامين) لتحرير موروثها وهويتها وتأمين عدم تماثل ردائها مع أزياء الغير من عموم الناس في ساحات التقاضى0 جرح المسافة والحدود الفاصلة بين هذا التقليد المحاماتى والنقاب كزي ديني- يشكل انقطاعا في ميراث القانونيين وتبديدا لرمز كثيف المعاني أختاره المحامون طواعية لتوطيد الوحدة والتواصل فيما بينهم0 أيقونة المحاماة الخالدة (الروب) تستدعى منطق الدفاع المشترك وقماط المرجعية القيمية لجماعته الأمرالذى يستوجب إثارة حساسية المنظمة النقابية لمراجعة وحصار (هيئة النقاب) كشكل دخيل وغير مقبول في مجتمع القانون 0 كما أن الأداء الشفوي المجرد للمنتقبة لا يصلح وحده أداة مرور في مجتمع القانون ومجلس القضاء- فالتدليل العلني للجوارح والأعضاء هي عوامل مساعدة في تكوين عقيدة القاضي ولبث الثقة والاطمئنان في نفوس المتقاضيين، فالإيماءات والإشارات مرشد للقاضى حول سلطان الحق أو زيف الباطل الذي يمثله وكلاء خصومة الدعوى وينوبون عنه في الدفاع 0الفهم السديد لتقنيات الدفاع المعتمدة بالتشريع المصري وتنحية هوى ومناجاة العاطفة الدينية يقطع بصحة الدفع السابق ويدحض اتجاه البعض نحو اعتماد فكرة (الضرر الخاص) كشرط لاعماله0 في كلمة أخيرة موجزة ومن وجهة نظر قانونية وواقعية مطروحة لا يوجد سقف واحد يجمع النقاب كزي شرعي للمرأة عند الأصوليين وملبس المحاميات لمترافعات في ساحات المحاكم المصرية ..

قانون
(0) تعليقات
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.












